حوارات وتحقيقات

الدراما العربية وغزو المسلسلات الأجنبية

الجزء الاول

محمد الكحط 

 

منذ عقود والتلفزيونات والفضائيات العربية تقدم مسلسلات أجنبية مدبلجة أو مترجمة، فهي ليست وليدة اليوم، بل كانت موجودة ضمن برامج عدة تلفزيونات وفضائيات عربية، كالمسلسلات الواردة من أمريكا اللاتينية ومن بعض  الدول الآسيوية وغيرها، لكن في السنوات الأخيرة غدت هذه المسلسلات وتواجدها تشكل ظاهرة واضحة وخصوصا التركية منها، ولهذه الظاهرة أسباب عدة، لابد من دراستها والإمعان في مضامينها، كونها تعدت الحدود العادية، وشكلت مظهرا جديدا في الرقم الدرامي ضمن المعروض في البث التلفزيوني العربي وأخذت عدة فضائيات تحذو بهذا الاتجاه، فلا بد من تسليط الضوء على هذه المسألة وعكس أسباب متابعتها من قبل المشاهدين، كما لابد من التوقف عند ما تحويه من مضامين وماهي النتائج المتوخاة منها، أي ماالهدف من الإكثار منها ومن يقف وراء كل ذلك؟.

 

أسئلة عديدة تدور في ذهني، علما أنني من الأوائل الذين كتب حول المسلسلات التركية حين كانت في بداياتها ومنذ مسلسل “أكليل الورد” الذي عرض لأول مرة في الــ MBC  ومن ثم عرضته الفضائية التونسية وبحق يعتبر من أفضل المسلسلات التركية المعروضة حتى الآن في الفضائيات العربية، وقد تفاءلت حينها خيرا، لكن ما جاء بعد ذلك بدد الطموحات بهذه المسلسلات، كون الاختيارات لم تكن جميعها موفقة، والمشكلة المترافقة مع هذه الظاهرة هو تراجع الاهتمام الشعبي بالمنتج والمعروض العربي من مسلسلات الدراما التلفزيونية، بعد ان كانت هي الطاغية، ولها جمهورها الكبير ومازال طبعا، كونها تعالج مشاكل واقعية، لكنه تراجع نسبيا لصالح المسلسلات التركية، فأن الأبحاث التي أجريت عن الدراما في الثمانينيات وبداية التسعينيات، أشارت إلى وجود تقدم في جمهور الدراما العربية كونها من الواقع الاجتماعي لهذه الجماهير سواء المسلسلات المصرية أو السورية وحتى الخليجية، فقد رصدت هذه الدراما العديد من القضايا والمشكلات والظواهر الموجودة في المجتمع، لكن الدراسات الأخيرة خلال السنوات الأخيرة ومن خلال المتابعة المباشرة أيضا، أظهرت أغلب النتائج أن الواقع الاجتماعي الذي تقدمه الدراما يخالف الواقع الفعلي للمجتمعات التي تشاهد تلك الدراما إلا ما ندر مما تم عرضه، أو قد تعرض أمورا سطحية من ذلك الواقع. 

ففي مرحلة الثمانينيات ظهرت مواضيع في الدراما كمشاكل الأسرة في الدرجة الأولى، بينما في بداية التسعينيات ظهرت قضايا الزواج وارتفاع تكاليفه ومسألة تعدد الزوجات…الخ، وفي نهاية التسعينيات وبداية القرن الحالي تم الاهتمام بمشاكل الإدمان والجريمة والعنف والانحلال الأخلاقي، وتطرقت بعض المسلسلات إلى قضايا سياسية حساسة، لكنها تعد بالأصابع، كما طرحت بعضها وبشكل محدود قضايا حساسة اجتماعيا كالممارسات غير المشروعة بين الجنسين. 

ولا نريد هنا التعرض لمدى تأثير ما يعرض من دراما على المشاهدين من صغار وكبار، فمشكلة هذه الإضاءة هو توضيح الحالة التي أصبحت ظاهرة، وكون الدراما بشكل عام تعتبر من أكثر البرامج التلفزيونية التي تخاطب وتؤثر في معظم فئات المجتمع من  المثقفين والناس العاديين على السواء. 

لنطرح أسئلة أساسية نحاول الإجابة عليها:

– ما هي أسباب الاهتمام المتزايد بالمسلسلات التركية من قبل الجمهور…؟

– ماهي سلبيات هذه المسلسلات..؟

– من يقف وراء اختيار هذه المسلسلات وعرضها بهذه الكثافة في الفضائيات العربية…؟وما هي الأهداف والدوافع التي يصبو إليها القائم بالاتصال من تقديم هذه المسلسلات وماهي مضامينها..؟

لاشك أن ما يجمعنا مع تركيا عوامل وظروف عديدة، اجتماعية، سياسية، تاريخية، دينية، علاقات، عادات وتقاليد متشابهة إلى حد ما، ولنضع مبدأ مهما، أننا عندما نقيّم عملا فنيا ما، لا ننظر إلى من أخرجه أو أي دولة أنتجته، ولا أي لغة تم تقديمه بها، بل نقيّم العمل أولا على أساس مضمونه والغاية أو الهدف الذي وضعه المخرج من العمل، ومن ثم العوامل والعناصر الفنية من أداء وتجسيد للشخصيات وديكور وتصوير وطبيعة إخراج وسائر الأمور الفنية الأخرى، وكذلك مهما جدا معرفة هل نجح في طريقة عرضه ليوصل للمتلقي المضمون المطلوب إيصاله بشكل مقبول وسهل دون تعقيدات فنية أو غيرها، أما جنسية العمل فلا شأن لنا بها، لذا عندما نحاكي الأعمال التركية المقدمة، نحاكي كل عمل على حدة، لكن هنالك عوامل وملاحظات عامة مشتركة.

شخصنا عدة أسباب أساسية وراء الاهتمام المتزايد بالمسلسلات التركية، منها:

أولا: أنها قدمت أشياء ومواضيع جديدة، للمشاهد العربي الذي ملّ التكرار من المواضيع الدرامية التي تطرحها المسلسلات العربية، بل وسئم منها، كونها استهلكت ولم يعد هنالك من جديد تطرحه إلا ما ندر.

ثانيا: وجوه فنية جديدة وكثيرة وغير مكررة، فالمسلسلات التركية لمن يتابعها سيجد أن كل مسلسل يحوي وجوها جديدة، ونادرا ما تتكرر وجوه نفس الممثلين، بسبب العدد الكبير المتاح من الممثلين الأتراك، عكس المسلسلات العربية التي تتكرر فيها وجوه نفس الممثلين وهنا لابد من الإشارة إلى أن تكرار نفس الممثلين باستمرار ومهما كانوا ممثلين جيدين، لكن المتلقي سيملهم، وبالتالي نرى أن بعض الممثلين لا يحبذون ان يقدموا أعمالا كثيرة خلال فترة معينة، كونهم أدركوا ذلك، وهنا أشير إلى المسلسلات السورية، فرغم جمالية عرضها وإيجابية مضامينها وكفاءة الممثلين، لكنهم يتكررون في معظم الأعمال، وهذا ما يجعل المشاهد يتوجه لمشاهدة وجوه فنية جديدة.

ثالثا: والحق يقال، لقد أثبت الممثلون الأتراك امتلاكهم إمكانيات فنية والقدرة على الأداء الرائع، وحتى الأطفال منهم قدموا أدوارا تستحق التقدير، وبالتأكيد يقف خلف ذلك مخرجون قديرون للوصول إلى هذه الدرجة.

رابعا: أن العدد الكبير من الممثلين الأتراك من الصف الأول أتاح للمخرجين فرصا أكبر على الاختيار، (البعض أشار لي بأن معظم أبطال هذه المسلسلات هم من الصف الثاني، وبعضهم جاء من مجالات عرض الأزياء، ولم يكونوا ممثلين أصلا)، وبجانب هذا ولمن تابع جيدا شخوص المسلسلات، نجد أن الممثلين قد اختيروا بعناية فائقة لأداء أدوار تنسجم مع قدراتهم، وبالتالي نجحوا في العمل، ويقف خلف ذلك قدرة المخرجين على حسن الاختيار، ومن خلال خبرات واضحة، نجد لمساتها في معظم الأعمال المعروضة.

خامسا: عالجت الأعمال المعروضة جوانب جديدة، بل غير مطروقة ومنوعة، وبأساليب فنية جديدة، فيها من الإثارة والتشوق، وأحيانا طرحت بعض القضايا بجرأة، ربما حفزت المكبوت عن بعض المشاهدين، خصوصا ان هنالك تشابها بالعادات والتقاليد العربية التركية الإسلامية، ما جعلها تجذب عددا كبيرا من المتلقين في العالم العربي.

سادسا: جمالية المونتاج والديكور والموسيقى التصويرية والتصوير، وغيرها من العوامل الأخرى التي أجاد فيها العاملون الأتراك.

سابعا: من الضروري الإشارة إلى أن الدبلجة الجميلة الناجحة باللهجة السورية المحببة، كان لها دور في انتشار هذه المسلسلات، علما هنالك محاولات لا أظنها نجحت للدبلجة باللهجتين العراقية والخليجية.

هذه بعض عوامل جذب ونجاح المسلسلات التركية، فلربما هنالك من يطرح أسباب أخرى، وأنتظر من يبادر إلى ذلك.

أما عن سلبيات المسلسلات التركية:

لا يمكن جمع كل الأعمال في سلة واحدة، فكانت هنالك أعمالا جيدة وناجحة، وهنالك أعمال سيئة وضارة وسلبية، وبين المجموعتين سلسلة من الأعمال المعروضة تتفاوت في نجاحها.

يمكن تأشير بعض السلبيات هنا منها:

أولا: طول المسلسلات وحجمها غير العادي، فهنالك مسلسلات ضربت أرقاما قياسية في حلقاتها، كمثال مسلسل “الأرض الطيبة” في عدة أجزاء وكل جزء أكثر من مئة حلقة، ومسلسل “وادي الذئاب” الذي مازال يعرض ومسلسل “الأوراق المتساقطة” أربعة أجزاء وغيرها. للأسف طول المسلسلات التركية صارت ظاهرة ملازمة لها وهذا ليس دائما عاملا إيجابيا، وأعتقد أن العامل الاقتصادي يقف خلف ذلك، كون بعض الفضائيات تفضل مسلسلات طويلة لتغطية ساعات بث طويلة، وهذا ما سنقف عنده أيضا لاحقا.

ثانيا: تكرار الأحداث وتعاقبها مما يسبب الملل للمشاهد الواعي، وتصاعد الأحداث بعوامل الصدفة، وهذا يتكرر في معظم الأعمال، حتى أصبحنا نتوقع مقدما ماذا سيحصل في اللقطة التالية، أن تصاعد الحدث الدرامي بسبب الصدفة باستمرار يبعده عن الواقع ولا يعطي مصداقية للعمل، وكأنها أحداث مركبة عمدا لمجرد الإطالة وتقضية وقت المتلقين دون فائدة، أي أن عدم التزام المخرجين بمبدأ الاختيار والعزل للأحداث، بل تعمدهم للإضافة والإطالة للأحداث، ما يسبب الملل للمتلقي الذكي ويجعله يترك متابعة المشاهدة، بالإضافة لكونه أسلوبا غير صحيح، وسلبيا على طول الخط، فالعمل كلما كان مركزا وقريبا إلى الواقع، كلما كان أكثر قبولا وتأثيرا على المشاهد.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان