حسين الذكر
كنت اتصفح بعض الصحف العراقية القديم الصادرة مطلع القرن العشرين وبداية تاسيس الدولة العراقية الحديثة، حتى ثلاثينيات واربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم ، قرات وشاهدت ما هو اقرب للعجب، في صفحات تلك الجرائد الصادرة ايام الامية والفقر والجهل والمرض والتبعية للمحتل البريطاني – كما يصف ويقول اغلب المتحدثين عن تلك الحقبة – وقد شدت انتباهي بعض الاخبار والعناوين التي تعبر عن نفسها وتشرح باجياز تلك المرحلة، فقد نشرت الصحف بيانا من وزارة الداخلية وامانة العاصمة يحذر فيه اصحاب الدور والمواطنين بقطع الكهرباء والماء عنهم، اذا ما ثبت رميهم الانقاض والاوساخ عشوائيا قرب الدار او في الشارع والمحلة، فيما اشار خبر اخر الى توجيه بعدم اعطاء وتمشية اي اجازة بناء، الا بعد اخذ تعهد باتباع اساليب حماية البيئة والمحافظة على نظافة المنطقة من اي تبعات هدم او بناء، فضلا عن التعهد بزرع نخلة او شجرة في القطع المقررة، كما قرات بيانا صادرا من دائرة المرور العامة، يعاقب فيه كل مواطن لا يعبر من الاماكن المقررة لعبور الاشخاص ، كما ان خبرا اخر يؤكد بايقاع اقسى العقوبات بمن يستغل الاراضي والساحات والاملاك العامة لمصالحه الشخصية تحت اي عنوان او عذر كان .. قطعا هذا الكلام ليس من الخيال، ولا الحديث المقصود يلقي الضوء على مرحلة في جزر واق واق، بل اننا نتحدث بالوثائق الدامغة، فضلا عن ذكريات الاحياء ممن يتحدثون عن تاريخ عاشوه وعايشوه بفخر واعتزاز، فيما اليوم تعيش المحافظات كل المحافظات (بلا استثناء، عدا محافظة اقليم كردستان) وضعا قاذوريا مخجلا، لا يليق بتاريخنا وحضارتنا وديننا، فالنصوص صريحة في القران الكريم والسنة النبوية الشريفة والاحاديث المتواترة عن ائمتنا الاطهار التي تؤكد على النظافة واحترام القانون وسيادة النظام العام، (النظافة من الايمان) اي منزلة تلك منحها القران الى النظافة، التي لا نعرف عنها الا النزر اليسير، فيما يكرر رسولنا الكريم (ص) ويعيد: “تنظفوا فان الاسلام نظيف”.. ميزانيتنا انفجارية ودولاراتنا (صارت سهلة) ومناسباتنا الدينية والوطنية كثيرة متعددة، ووسائلنا الاعلامية اكثر من اي وقت مضى وخطباؤنا يتحدثون ليل نهار في المباشر وعبر الفضائيات، وللاسف كل الاسف الشديد، ما زالت القاذورات والازبال تحاصرنا في كل مكان، فلا امانة العاصمة تحمينا من هذا الكابوس ولا المحافظة ولا الحكومة بكل اجهزتها، ما دمنا نحن لا نقترب ولا نعي اهمية دور النظافة في حضارة وتنمية وتطور الامم، برغم العدد الهائل من المعينين والموظفين في اجهزة الدولة المتعددة تحت عنوان (منظف) لا واجب تنظيف لديه، بعد ان غابت الرقابة وغاب الحساب واصبح الجميع يتعامل مع الاوساخ والقاذورات المحيطة ببيوتنا وشوارعنا ومدننا وكل اجزاء حياتنا، على اساسا انها تحصيل حاصل وجزء لا يتجزأ من حياة العراقيين، دكتاتوريين كانوا ام ديمقراطيين.. والله المستعان على ما يصفون..









