حازم لعيبي
قال أبو محسن: حياة الناس أهم من كل شيء!!
أبو محسن مواطن عراقي من مدينة الكوت يمارس مهنة الحدادة أخذ على عاتقه مهمة صناعة علامات التنبيه والتحذير والدلالة المرورية، وما أثارني فعلاً جملة غاية في الروعة رداً على سؤال أحد مقدمي البرامج التلفزيونية لِمَ تعمل ذلك ومن دون مقابل، قال: حياة الناس بالنسبة لي اهم من كل شيء، هذا المواطن البسيط يدفع من وقته وماله وجهده الكثير مقابل سلامة وأمن حياة العراقيين في مدينته، إنه وبإمكانيات متواضعة ويسيرة يحاول تقديم مثالاً رائعاً عن معنى المواطنة في نصفها الخاص وعدم الانشغال بسؤال “ماذا قدم العراق لي؟ والعمل في النصف الاخر منه ماذا نقدم نحن كمواطنين لوطننا العراق؟؟” والذهاب به الى الأخير، والجملة بين مزدوجين أنقلها بتصرف عن قول مأثور ومشهور للراحل جون كيندي.
تذكرت هذا المواطن العراقي هذا اليوم وأنا في طريقي من مدينة فينكس الى سان دييغو مع عائلتي وقد طلبت من زوجتي السياقة بدلاً مني لوضع اللمسات الاخيرة لمقالي هذا الاسبوع والذي علي إرساله قبل انتصاف الليل ” العراق معادلة معقدة” لكني قررت ونحن نتوجه الى مدينة سان دييغو لقضاء عطلة نهاية الاسبوع الكتابة عن أبي محسن المواطن وتأجيل المقال آنف الذكر للأسبوع القادم. والسبب ببساطة شديدة هذا العدد الكبير من علامات الدلالة والتنبيه المنتصبة على جانبي الطريق والتي تتبنى وضعها ادارات المدن هنا في اماكنها المناسبة والواضحة، انها ضرورة من ضرورات المدنية والحضارة والسلامة وتقع تحت ما يسمى بالبنى التحتية المثالية لانشاء المدن وتطورها.
قبل أن نغادر البيت وضعت زوجتي عنوان الفندق على ال Global Positioning System” GPS” وانطلقنا في رحلة باتجاه المحيط، كان علينا اولاً ان نأخذ طريق ال I-10 السريع وبعد مضي أكثر من نصف ساعة سياقة قال لنا ال GPS إن طريق I-85 قادم وهذا ما أكدته العلامات الدلالية المرسومة باللون الاخضر على جانبي الخط السريع قبل أكثر من ميلين من المنفذ إليه، وبعدها قرأت علامة عن الخط السريع I-8 وهو من سيقودنا الى نهاية الرحلة ذهاباً، وعلى طول الرحلة الممتدة لمسافة ما يقارب الأربعمائة ميل لم تغفل ادارة الطرق ومصمموها ومهندسوها عن الاشارة والتوجيه والدلالة للإستخدام الأمثل، جهود متعددة تجتمع كلها سوية لتسهيل ركوب الشوارع وما على السائق سوى الالتزام بها وبالقوانين العامة كي تكتمل الصورة ويؤمن للمواطن وسائل توضيحية في طرق سهلة وبدلالات مدروسة.
كم سيحتاج العراقي أبو محسن من علامات دلالة مرورية ليوفر حياة أفضل لأبناء مدينته، لم أتمكن طيلة تلك الرحلة من أحصاء ما شاهدته من أشارات توقف وتحديد سرعة وأفضلية وتحذير وخدمات صحية وأسماء شوارع ومدن وأماكن راحة ولا تقف هنا والطريق الفلاني مسدود وهنالك سيطرة ولا يسمح للمركبات الكبيرة الاجتياز ووو، هل عليه صناعة كل تلك اللافتات وبجهده الفردي وهل حب الوطن كافي دون الحاجة الى دراسة علمية، ومن ثم يتكفل مواطن واحد لوضع العلامات في أماكن يعتقد انها مناسبة، ولِمَ لا يباشر أصحاب الاختصاص بدلاً من أفراد للقيام بمثل هكذا مهام وأسئلة كثيرة تبادرت الى ذهني وانا استرق النظر للإستمتاع بمشاهد الجبال والوديان وألالوان المنعكسة من اشجارها.
وأنا كذلك غفوت اغفاءة متعب وخلال تلك الدقائق التقيت بالسيد أبي محسن وصافحته وقبلته من جبينه الاسمر العريض وشكرته على طريقة تفكيره وبساطتها وتحادثنا عن مشاهداتي فيما يخص مشروعه وضرورته وفي الاخر قدم لي أبو محسن دائرة معدنية حمراء ويتوسطها علامة ال x وكانت من صناعته في ورشته الصغيرة كهدية.
بعد دقائق أيقظني صوت ابني الذي لا يتجاوز الثلاث سنوات وحاجته الذهاب الى الحمام لقضاء حاجة فطلبت من زوجتي التوقف عند أقرب مكان استراحة وما هي الا دقائق وطالعتنا علامة كبيرة خضراء تشير الى ذلك، لأذهب أنا الى المكان المخصص للتدخين ويذهب طفلاي الى الحمامات واستغلت زوجتي دقائق التوقف لإرسال بعض الرسائل لعائلتها وصديقاتها. وأختفى ابن مدينة الكوت من حلمي وحلمه سوية وتمنيت ان استيقظ في رحلة قادمة وانا اتتبع تلك الدلالات المرورية بشوارع عريضة وواسعة وعلى جانبي كل الطرق التي سنركبها يوماً ما من بغداد الى البصرة والموصل والنجف والعمارة والسليمانية وفي كل مكان يحتاجه المواطن داخل المدن والاحياء من أجل سلامة ابناء امة العراق المتعدد. وعلينا ان لا ننسى وضع لافتة كبيرة تحمل مقولة السيد” أبو محسن : حياة الناس أهم من أي شيء وكل شيء”.





