كتاب الحقيقة

من هم قرابين… الأحداث المأساوية

  الفريد سمعان 

 
  قبل مدة.. حملت الانباء مأساة انهيار احد المناجم في تركيا وكان عدد الضحايا يتجاوز المائة وخمسين عاملاً تركوا وراءهم ارامل.. وايتاماً  وكتمت الغازات -وفقدان أية وسيلة للنجاة- انفاسهم الطاهرة.. وتحولت تلك السواعد المتينة والمهابة التي يتمتع بها هؤلاء الرجال.. الرجال مع الخوذ السميكة .. والاضواء الساطعة التي كانت تمهد لهم الدروب في الممرات المظلمة .. لكي يوفروا النور لأبناء شعبهم.. لان الفحم الحجري الذي كانوا يتعاملون معه هو اهم الوسائل التي تعتمدها الصناعة والاحتياجات الانسانية في البلدان التي تفتقر الى النفط او الغاز او الامكانيات الاخرى التي توفر الكهرباء وتضيء مروج الحياة وتسهم في بناء الحضارة.. أن ما جرى ضياع هؤلاء الابطال.. صناع الحياة الطبقة العاملة.. لم تكن تمتلك (سهماً واحداً) في هذا المنجم كما هي العادة في كافة المنشأت  والمعامل والمؤسسات الانتاجية في الدول الرأسمالية .. الا إنها هي التي دفعت الثمن.. ثمن الحاجة الى العمل.. لتوفير اللقمة والحياة الكريمة لملايين الاسر والعوائل.. للأمهات والاباء .. للزوجات والاخوات.. للأبناء والبنات لكل الكادحين.. الفقراء الذين ترغمهم الظروف على قبول شروط العمل المفروضة عليهم رغم قسوة الاوضاع والمخاطر المراقبة التي لا موعد لها وهي تنهال بلا رحمة.. وبدون مقدمات ..وربما بمقدمات سريعة لا تمنح الفرصة لأمثال هؤلاء الضحايا لتدارك الموقف.. والاحتماء بوسائل النجاة .. او الهرب من المأساة .. وتجنب الانهيارات.. والصخور التي تنهال .. والضجيج العاصف الذي ينتهك الارواح ويحيل اجساد هؤلاء الرجال الشجعان الى جثث هامدة.. قد لا تحظى بفرصة للدفن والتشييع الا بشكل رمزي.. لاشك ان هذا المنجم المنهار هو ملك للدولة او لأحدى الشركات الرأسمالية.. التي يمتلكها شخص او مجموعة من كبار الرأسماليين الذين (يديرون) من مكاتبهم الانيقة وعلى رنين القبلات مع السكرتيرات الجميلات.. والتمتع بالاجواء الخيالية في الترف والاستهتار.. هؤلاء هم الذين يستلمون في اخر المطاف الارباح الهائلة التي تتحول الى عمارات.. وقصور فخمة.. وسيارات ذات مزايا خاصة وحياة رغيدة في كافة الوجوه .. على حساب دفن الجهد المبذول من قبل الطبقة العاملة.. التي تتعرض للسياط.. والمقاومة.. والارهاب.. والتعذيب.. والانتهاك وكل الامور السلبية والاساليب اللاإنسانية.. عندما يطالبون بحقوقهم او بجزء مهما كان ضئيلاً- من حقوقهم- ويتعرضون للبطالة المرعبة التي يقف على ضفافها الجوع والحرمان وبالتالي الخضوع لأقسى الشروط من قبل الرأسماليين الاثرياء ..ضماناً لرزق عوائلهم.. وعدم الموت جوعاً.
  إني أتساءل من الذي يصنع الحياة هل هم اصحاب المكاتب الانيقة  والسيارات الانيقة والقصور الباذخة والحياة الرغيدة.. ام هؤلاء الذين يعملون تحت الارض وبمسافات عميقة.. حيث يتعذر عليهم الحصول على الاوكسجين.. والنور .. وأية وسيلة تخفف عنهم الجهد الذي يبذلون.. مع المخاوف الجمة المرتقبة.. التي قد تنتهي بالموت.. ومغادرة  الحياة التي لا يمكن ان تدوم وتشيد اركانها الاعلى ضلوعهم.. وافكارهم.. وسواعدهم.. وهل يمكن ان نلام او نتهم بالمغالاة عندما ندافع عنهم ونطالب بحقوقهم.. وننضم اليهم في مسيرتهم الشجاعة من أجل مستقبل افضل.. وضمان حقوقهم وبدون أية اعتراضات او وسائل قمعية ظالمة.
ان مسيرة الحياة تقول بأن الذي يستحق ان يعيش بكرامة ويكون موضع اعتزاز هم صناع الحياة.. العمال والكادحون.. وليس الجالسين في المكاتب الانيقة.. مع رنين القبلات.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان