حوارات وتحقيقات

الإعلام الديني.. بين الشذوذ السياسي والتأجيج الطائفي

خيط ليس بالرفيع يفصل ما بين حرية التعبير والصحافة، وجرعات الخطاب الديني السياسي المنحدر إلى التحريض الطائفي في القنوات الفضائية العربية أو المستعربة، ويمكن ملاحظة أثرها مباشرة في الشارع العربي الذي لا تنقصه الفتنة الطائفية ،اذ نلتمس في مجتمعاتنا العربية مدى تفشي ظاهرة السلوك الطائفي في كل مناحي الحياة ،حتى في الحياة الاجتماعية العادية للافراد، حيث أصبح السؤال لأي فرد، من اين أنت او ما أسمك بهدف التحليل اذا ما كان من خلفية مسيحية او سنية او شيعية ..الخ،لتصبح بذلك ملامح هذه الطائفية مرتبطة بالعقائد الفردية، وهنا لا يحق لنا ان نحاسب المسيحي على عقائده تجاه المسلم او عقائد السني تجاه الشيعي، فكل فرد حر بما يؤمن به، ولكن عندما تتحول العقائد الى التحريض وتتبني الخطاب الطائفي فهذا ما يجب التركيز على محاربته.

الحقيقة – سناء الحافي

 اذ اصبح الإعلام مساهماً بشكل مباشر في نشر الطائفية، و هذا النوع من الصراع قد وجد طريقه الى الإعلام بسبب ما عُرف باسم “الربيع العربي المفتعل في الأوساط السياسية لسبب أو لآخر. لكن الدارس للتاريخ العربي وما شهده من تناقضات و صراعات  على مدى سنين طويلة يدرك تماماً أن التوترات الطائفية ليست وليدة اليوم، فهي موجودة ومرفوضة منذ القِدَم، وتحتاج لإنهائها الى سلطة قوية رشيدة، ثم خلق بيئة يتعايش فيها الجميع مع بعضهم بسلام، حيث أن مسؤولية خلق هذه البيئة لا تبدأ كما يعتقد البعض من المنابر الإعلامية وإنما من البيت والأب والأم والمدرسة والمجتمع وأرباب السياسية…

الا أن بعض القنوات الفضائية تغذي هذه الطائفية و تمارس دورها التأثيري على المشاهد العربي،الأمر الذي  يتوجب ضرورة اغلاقها دون النظر الى قضية الحرية الإعلامية وما يتوقف على ذلك من انتهاك لحرية الرأي كما يعتقد البعض، هدفا في مكافحة الجرائم المتمثلة بالتحريض على القتل والتصفية، بالرغم من وجود تكوينات اجتماعية تدعم هذه القنوات وتعمل على بثها من أماكن خارج نطاق القانون العربي في اقل تقدير،حيث يرى البعض أنه حان الوقت لوضع قوانين لإضافة المحتوى الإعلامي المتمثل بمواقع التواصل الاجتماعي وأيضاً اخضاعها الى القوانين العامة المعمول بها في الوقت الحالي في سلطة الإعلام الفضائي، والاشارة الى دور بعض الانظمة التي استخدمت الدين كسلاح للتأجيج الطائفي وتصفية الحسابات الشخصية،  ليكون بذلك أسوأ ما ارتكب في العالم العربي هو توظيف الإعلام سياسياً مما انعكس سلباً على المجتمع وتفكير ابنائه و حصرهم في خانة التعصّب الديني و الطائفي .

الحقيقة من خلال هذا التحقيق حاولت رصد بعض الاراء و المواقف الاعلامية و السياسية و الفكرية ،هدفاً  منها في الارشاد و التوجيه و تنوير القارئ بخطورة الانغماس في هذا التحزّب الاعلامي الديني او الطائفي الذي يدفع بصاحبه و بالمجتمع الى الهلاك و الشذوذ السياسي..

الإعلام شريك أساسي في تأجيج الطائفية في المجتمع العربي!!

يقول الإعلامي محمد جميل، في حديثه لـ ( الحقيقة):  “ما من شك أن الإعلام وظف كأداة مهمة في الصراع الطائفي، خصوصاً أنه يعتبر مرآة عاكسة لأي خلاف اجتماعي أو ثقافي أو سياسي في مجتمعاتنا العربية، حيث بتنا بحاجة ماسة للحد من هذه الظاهرة التي تربك المجتمعات، وتعيق تقدمها ونموها، وهنا يلعب الإعلام دوراً محوريا ومفصلياً، سواء على تصعيدها وتوتير الأجواء، أو على صعيد الحد منها ومكافحتها، والمطلوب هو التأكيد على دور الإعلام الإيجابي في الحد منها.

من جانبه قال الإعلامي عبدالفتاح موسى: أعتقد أن ظهور ما يمكن تسميته بالصراعات الطائفية والتصعيد الطائفي في العالم العربي أثر بشكل مباشر على ما تنقله وسائل الإعلام، وبالتالي فإن ما وصلنا إليه من خطابات إعلامية طائفية اصبحت تؤثر بشكل كبير على المجتمعات، وهو ما يستدعي التوقف عنده للحد منه والغائه.

 حيث أيده، الإعلامي عمار رشيد، مضيفاً: قد تكون هناك صعوبة في إيجاد حلول مناسبة للحد من هذا الصراع الطائفي أو التصعيد الطائفي الذي يجد له مكاناً واسعاً في بعض وسائل الإعلام، لافتاً إلى أن مسألة البحث عن حلول وتطبيقها في هذا الشأن قد يكون صعباً جداً او معقداً ويتطلب وقتاً طويلاً، متسائلاً: من الذي يقف وراء هذا التأجيج الطائفي، فلا بد من تحديد هويته وكشفه ومحاربته وتعريته.

من جانب آخر قال الكاتب  الدكتور باقر النجار: استخدم الإعلام كأداة مهمة في الصراع الطائفي الدائر حالياً، وهو مرآة عاكسة لأي خلاف اجتماعي أو ثقافي أو سياسي في مجتمعاتنا العربية ، مرجعا  سبب وصول التحريض الطائفي إلى الوسائل الإعلامية، وإلى فشل العديد من الدول العربية في مواجهة ذلك الصراع الطائفي.

من جانبه قال المحلل السياسي لقمان سليم الكاتب: دفعنا التأجيج الطائفي في وسائل الإعلام جميعاً إلى التفكير جيداً بما يجري حولنا من صراعات، مؤكداً أنه لا يؤمن كثيرا بفكرة أن الإعلام يعكس ما يجري، فهو شريك أساسي في العملية والصراعات المختلفة، وبأن الإعلام بحاجة إلى مراجعة وتقييم مستمر.

الاعلام الديني دمر ما تبقى..!!

أما الاعلامي علي الحروب ردّ في تصريحه على سؤالنا عن ماهية علاقة الاعلام الديني وتأثيره في تأجيج الطائفية  قائلاً : ” ابتداء، لا يمكن القول إن كل الإعلام الديني يندرج تحت وصف الإعلام الطائفي أو المتطرف، ومن غير الموضوعية إطلاق أي وصف عام وتعميمي إزاء هذا الإعلام، لذا وجب ترسيم هذا المدخل الأساسي قبل مقاربة أي نقاش حول الموضوع، فالتركيز في الأسطر التالية يختص بالجانب المتطرف والطائفي من ذلك الإعلام تحديداً.

الإعلام الديني المتطرف، والمتلفز منه على وجه الخصوص، هو ظاهرة عالمية ينظر إليها في سياق عولمة الاتصالات في العقود الأخيرة، أما العواقب الناجمة عن هذا الإعلام، فهي متنوعة وتعتمد على السياق السياسي والاجتماعي الخاص والأجندة التحريرية لكل حالة إعلامية وعلى منسوب التوتر لدى اللاعبين الرئيسيين في السياق المعني. وعملياً كان الإعلام الديني في الغرب، وتحديداً في الولايات المتحدة الأميركية هو أول من ابتدع استخدام شاشات التلفزة لنشر الدعوات الدينية على مستوى جماهيري. وبينما تتشارك وسائل الإعلام الدينية بعض الملامح والصفات المشتركة بصرف النظر عن موقعها الجغرافي أو ما تروج له من دين، فإن بعضها يشكل حالات خاصة منفردة، فالملمح المشترك لوسائل الإعلام الدينية، وخاصة المتشددة منها، يتمثل في إحياء المعارك العقدية الدينية النائمة وبثها في الوجدان الشعبي، حيث تقوم وسائل الإعلام في وطننا العربي على بث وترويج مساجلات إزاء نزاعات وخلافات دينية عقدية كانت تتسم على الدوام بالنخبوية وبكونها محصورة في فئة رجال الدين والمتكلمين، وهي معارك كانت بعيدة من اهتمام الناس العاديين، وانقضت وعفا عليها الزمن. وكما هو شأن هذه الأمور في كل الأديان بلا استثناء، ثمة اختلافات عميقة بين المدارس العقدية والمذاهب المختلفة في الإسلام ولكنها ظلت مقصورة على الدوائر المتخصصة من فقهاء وعلماء بالدين.”

الحرب الاعلامية الطائفية …من استقطاب الى انشقاق  فانقسام !!

بدوره أكد الكاتب خالد الشامي في نقده للطائفية الاعلامية العربية قائلا : ” في اجواء فتنة كالتي نعيشها، ليس مستغربا ان يختلط الحابل بالنابل، ويلتبس الحق بالباطل، وتطغى المصالح الشخصية على الوطنية، وتتراجع معايير الموضوعية والمهنية امام صعود خطاب الكراهية والتعصب. 

الا ان هذه الصورة تتجلى اوضح، وربما اقبح، ما تكون في بعض وسائل الاعلام التي تعكس الواقع السياسي والاجتماعي، ثم تضيف اليه من ‘ابداعاتها’ فتزيد الطين بلة، وتحول الاستقطاب الى انشقاق فانقسام.

والمشكلة هنا لا تتعلق بمجرد انحياز الى موقف سياسي او مدرسة ايديولوجية معينة على اساس موضوعي يستنفر تبادلا ايجابيا للاراء والرؤى، وربما ابتكارا لمقاربات جديدة، ضمن دينامية فكرية مطلوبة في اي مجتمع حر، بل بما يمكن تسميته بالتدليس الاعلامي لخدمة اجندات ظاهرها الرحمة او الديمقراطية او الشرعية او غيرها من المصطلحات البراقة، وفي جوهرها الجحيم او الارهاب.

وباسقاط هذا الكلام على واقع ‘الحرب الاعلامية العربية’ المستعرة حاليا، نكتشف ان خطاب الكراهية المرتكز على طائفية سياسية او دينية اصبح سيد الموقف، وهو واقع يكاد ان يستحيل معه انجاز تسويات سياسية هي الامل الوحيد الممكن للخروج من الازمات في هذا الجزء من العالم. 

يحصل هذا رغم انه يوجد في البلاد التي تحترم حرية الرأي الى حد التقديس، ومنها بريطانيا على سبيل المثال، من القوانين ما يجرم هذا النوع القميء من الخطاب، سواء كان مذاعا في الاعلام، او حتى قيل اثناء مشاجرة في الطريق. وهذا اعتبار يجب ان تراعى عواقبه القانونية، خاصة وسائل الاعلام العربية الموجودة او الممثلة في بلاد كهذه.”

الإعلام الحديث أداة بطش للعقول!!

الى جانبه أضاف الاعلامي ميسر سهيل قائلاً : ” نحن لا نخالف الحقيقة إذا قلنا إنّ الإعلام بحد ذاته قد أصبح اليوم أداة بطشٍ جديدةٍ _ إذا جاز لنا التعبير _ وهو البطش بحريّة الشعوب ومقدّراتها، فأيّ وسيلة للبطش أكبر وأشد من وسائل البطش بالعقول وتجريدها من كلّ ما يحفظ لها مقوّمات وجودها باعتبار أن أساس هذا الوجود هو التفكير الحر المستنير لقد بدأت منذ أواخر القرن العشرين حرب المعلومات والمعلوماتية من خلال وسائل الإعلام حيث إنّها أساس وجود الإنسان المعاصر، وأصبحت الدولة الأقوى هي الأكثر معلوماتيّة وبصفة خاصّة المعلومات التكنولوجية المتقدّمة المعتمدة اعتماداً كاملاً على الإلكترونيات التي تكاد تكون محتكرة من دول تعمل بجهد على عدم تسرّبها إلى دول أخرى، خاصّة ما يتّصل بالصناعات العسكريّة الدقيقة والسيطرة على بنوك وقواعد ومراكز المعلومات، وهكذا يتأكّد أنّ الإعلام الظلامي يمكن أن يصير طاغية العصر المؤثر في حياة الشعوب سلباً أو إيجاباً وهو الحاضر دوماً في كلّ مشروع حضاري أو تنموي وفي كلّ خطّةٍ تنمويّةٍ أو توجّهٍ تنموي باعتبار التنمية هي أساس كل مشروع حضاري.

الطائفية …صورة شاذة للعمل الإعلامي!!

وبدل أن يكون الإعلام أداة إيجابية لخدمة أغراض التنمية والسلام الاجتماعي وتحقيق التقارب والتفاهم بين الناس على المستويين الداخلي والخارجي فإنه في الوقت نفسه، تحول إلى أداة هدامة تسيء إلى استقرار الدول والمجتمعات وتنشر الكراهية بين فئات المجتمع الواحد وأصحاب الديانات والثقافات المختلفة على المستوى الدولي وهذا ما يقوم به ما يمكن أن نطلق عليه ” الإعلام الطائفي”. وهذا البث الإعلامي الطائفي هو صورة من الصور الشاذة في العمل الإعلامي، مخالفة لمنطق الإعلام وقواعده العلمية التي يمكن تلخيصها بأنّها: تزود الناس بالأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة والحقائق الثابتة، بطريقة صادقة دون أي تحريف، لتكوين أكبر درجةٍ من الوعي لدى الجماهير،بينما يقوم البث الطائفي على التحريف والتضليل الذي يهدم الوعي ويشتت الفكر بغرض إيجاد جو من التفرقة في المجتمعات لإضعافها، وذلك من أجل تحقيق أهداف السيطرة الماديّة واستغلال الثروات”.

واستناداً على ما سبق ، يبدو أن وسائل الإعلام، وجدت مناخًا من الحرية المتاحة، تأثرت بالصراعات السياسية والطائفية من جانب، ولم تتمكن نتيجة لحداثة التجربة والتدخلات الخارجية من انتهاج مواقف تعبر عن الحيادية المطلوبة، وتبني خطابا وطنيٍا جامعا يقلل من حدة أخطر أزمة تواجه بناء الدولة ، ممثلة في الطائفية من جانب آخر،على الرغم من أن مجمل الدساتير سمحت بحرية الرأي والتعبير، لكن ثمة مؤشرات عديدة تؤكد تداخل السياسي بالطائفي، سواء فيما يخص الاستهداف المتعمد للإعلاميين والصحفيين على أساس طائفي، أو فيما يتعلق بسوء استخدام الوسائل الإعلامية، لتكون معظمها بمثابة إحدى أدوات التوجيه السياسي المقصود خدمة لطائفة محددة

لتبقى بذلك المشكلة الطائفية المتجذرة والواضحة بأغلب وسائل الإعلام العربية، ليست انعكاسًا للصراع السياسي في الداخل فقط، بل إن لها امتداداتٍ إقليميةً وأخرى دولية، تؤثر من خلال التمويل وتوجيه الرأي والحض على العنف؛ لتحقيق مكاسب ذاتية، وهو ما يقتضي توافق الإعلاميين في المنطقة العربية على وضع مبادئ أساسية لتنظيم البث الفضائي، أبرزها ضوابط تمنع بث ما يؤدي إلى تأجيج الصراعات والحروب الداخلية، أو تفتيت الوحدة الوطنية للدول، أو إثارة النزعات المذهبية والطائفية.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان