علي علي
لم يعد بإمكان عراقي شريف من المطلعين على الأحداث المتتالية في الساحة العراقية، ولاسيما الأمنية أن يصمت او يكتم صرخة بملء فيه، ينادي فيها كل ماسكي مفاصل البلد وأركانه الإدارية والأمنية والاقتصادية.. أن اتقوا الله في هذا البلد المعطاء الذي لم يبخل يوما على أبنائه وغير أبنائه، بالجود الوفير من أرضه -بماتحتها ومافوقها-.. ومن مائه بماحوته أنهاره داعيا الجميع لـ “تستخرجون حلية وتأكلون لحما طريا”. كذلك لم يعد العراقيون ينتظرون حسن الرد ممن أولَوهم أحقية التحكم بمصيرهم ومستقبلهم وخيرات بلادهم، وفي السنوات العشر السابقات خير درس يضاف الى دروس العقود الأربعة الماضية، ان لابقاء لمن يظلم ويجور ويغمط حقوقهم، ولاعيش لمن ينهب أموال البلاد تحت ظلال المنصب او الجاه.
أما الأيام القليلة الماضيات فهي تختلف عن سابقاتها، إذ أن لها وقعا على العراقيين شديدا وشديدا جدا، لاسيما وهم يرون بعض مدن بلدهم وقراه تنحني أمام قوى ضالة، سخّرتها جهات أكثر ضلالة وحقدا كانت قد أثبتتها في سجلها الحافل عبر تاريخ الأحداث التي مر بها العراق منذ القرن السابع عشر، حيث دأبت الوهابية تمارس منذ ولادتها دورها في أداء الواجبات المناطة اليها والمكلفة بها من أسيادها من آل سعود، وما تبعهم من دويلة قطر، ومالحقهم من نفر لم يجدوا وسيلة للتدخل بالشأن العراقي غير هذه الشرذمة من الضالين.
ولكن ما يحز في نفوس العراقيين، هو الحالات التي تصرف بها أبناء جلدتهم في بعض المحافظات التي فتحت أحضانها للقادم من وراء الحدود، مدججا بالحقد والضغينة والأفكار المريضة لتطبيقها وتنفيذ أجنداتها على العراقيين، وقطعا ان هؤلاء موهومون في ظنونهم واعتقادهم بما تكنّ لهم هذه الفئة، من ويلات تشمل كل صغيرة وكبيرة في حياتهم اليومية، وكذلك تبسط شرورها على شرائح المجتمع بلا استثناء. وماقصدت بكلامي هذا غير مايسمى بتنظيم داعش اللاتنظيمي واللاإسلامي واللاإنساني.
والدور هنا يلعبه العراقيون المدركون لحقيقة هذه الجماعة، وحقيقة الدوافع من وراء قدومها الى هذه الرقعة بالذات من المعمورة. إذ هم مطالبون اليوم بالوقوف ليس أمام مايسمى داعش فقط، بل هم مطالبون باتخاذ موقف حازم وصارم ممن يظن بأن أفراد هذا التنظيم قادمون لتوفير الخدمات للعراقيين وتغيير حياتهم نحو الأفضل. إذ لايخفى ان بعض المتشبثين ببقايا الروائح النتنة المتسربة من النظام السابق، هم الذين يرحبون ويفرشون القلوب قبل البيوت أمام كلاب هذه الجماعات، كم حصل في الموصل وبعض مدن صلاح الدين، بعد ان سبقتها أحداث الترحيب المشابهة في الأنبار، ومن المؤكد ان هؤلاء لهم سوابق وأصول ترفض الاجتثاث من تبعات الماضي، وهذا أمر لاأظن التعامل معه بطيب قلب يجدي نفعا بل على العكس، فالأفكار المعشعشة في رؤوس هؤلاء لاتمحى بالتهاون معهم، بل بإيقافهم عند الحدود التي وصلوها، وعزلهم عن المجتمع بعد إيغالهم في رفض مبادرات التسامح وطي صفحات كان قد كتبها النظام السابق بحروف الكره والبغض والكراهية، مستغلا النفوس غير السوية في ترجمتها على أرض الواقع، وهم مازالوا يكتبونها ويقرأونها ويجترون العمل بها، ويتمنون ان يُدخلوا باقي أفراد المجتمع في دوامتها، بغية العودة اللاشرعية الى أحلام العهد السابق. وهذا لن يتم لهم قطعا.. وإن تحقق بعضه فسيعود كابوسا يلقي بظلاله على الحالمين الذين حتما سيكونون في خبر كان.





