الفريد سمعان
قبل ان يتربع على قمة السلطة.. ويعلن ارادته ويرتفع رايه.. تبشر بالخير الطمأنينة والمحبة كانت الدنيا تعيش حالة من النهوض والتحدي والرعب وتحكم الاقوياء بالضعفاء والعواصف بالنسائم والصرخات المتوعدة بالنظرات الجميلة الهادئة والتعسف في الحقوق المشروعة .. والظلم بالانسانية والسياط.. بالدموع ولكنه يظل فوق الجميع.
هكذا كانت الحياة.. شريعة الغاب هي التي تفرض وجودها.. الحيوانات الضارية .. تعبث بالكون كما تشتهي .. وكما يروق لها القوي يغلب الضعيف الضعيف يغتصب الرقيق.. الرهيب يسطو على الجمال .. والجميل.. الغضب والعنف يهدد الحياة ويصنع من زهور الجمال اشواكاً حادة تطعن وتدمي وتشوه صورة الكون .. بعد هذه الفوضى كان لابد ان تسود العدالة ان تتوقف سياط الرعب واغتصاب حرية المجتمع ان تحمي الضعفاء من قوة الاقوياء.. ان تصون السنابل الرقيقة.. من لهاث العواصف وغضب الطبيعة ام يسير الانسان مطمئناً في طريقه الى مجال عمله او في رحلة عائلية لأحدى الحدائق .. يرقص ويغني وينشد.. ويروض الاجواء القاسية .. يحولها الى ومضات ممتعة ومروج خضراء.. ونغمات دافئة كانت البداية تجارب الحكماء.. العقلاء الذين استدركوا بوجهات نظرهم الاعمال الرديئة والاعتداءات واغتصاب حقوق الاخرين .. فوضعوا بعض القواعد التي تحد من طوفان الشر على مرافئ الخير والطيبة والجمال
وتوالت الاعوام.. وانتقلت المجتمعات بخطوات وئيدة الى آفاق.. وتراجعت فيها العدالة وأصبح الامر عصياً اذا لم توضح هذه الافكار النبيلة ضمن ملفات مكتوبة على جلد الغزال او في ذاكرة لا تخيب آمال الشعوب ولا تتجاهل ما يجب ان يكون.. وهكذا بدأت المعالجات في إطار الاحداث التي كانت سائدة.. او التي لم تكن متوقعة.. وعلى سبيل المثال .. كانت السرقة تكاد تكون معدومة.. لان ما يمتلكه الانسان في مكان ما هو نفس ما يمتلكه جيرانه.. اضافة الى ان هذه الملكية كانت بسيطة الى درجة لا تغري احداً بالسطو عليها ولكن جريمة القتل كانت مألوفة لأن الصراع مع الحيوانات الضارية التي كانت تشكل الخطر الاكبر على الانسان هي التي حفزت المجتمع الى اللجوء للقتل للتخلص من شرور وعدوان هذه الحيوانات.. وبذلك اصبح القتل في زمن ما قاعدة لابد من ممارستها لحماية الانسان من أي عداوة وقد انعكس ذلك على ما يجري من خلافات بين ابناء المنطقة الواحدة عبر المنافسة على غنيمة او امرأة جميلة.. او رغبة عابرة .. او مكان اكثر طمأنينة لإطفاء المشاعر الجياشة وجاءت الاديان السماوية بقواعد وتوجهات ساعدت المجتمعات على ترسيخ بعض ذلك.. ومع التجارب التي مر بها الانسان والظروف الاقتصادية الصعبة وتشكل العائلة .. ثم القبيلة.. ثم الدولة تطلب الامر وتوفير الحماية للمجتمع.. والحد من اعتداءات الاقوياء وحماية ممتلكات الافراد وتحديد المساحات التي يشغلونها للسكن او الانتاج.. ومن ثم مجاراة التطورات الصناعية القاهرة.. المذهلة.. وما يترتب على ذلك من رعاية وضمان حقوق الملكية وقطع الطريق على التقليد والتزوير والتطاول على منجزات العقل .. ومؤشرات الابداع العلمي والفكري عموماً وما يتطلبه ذلك من رجال يمتلكون السلطة.. لإدارة هذه الواجبات فكانت الدولة بشتى اشكالها ملكية او جمهورية مدنية او عسكرية ديمقراطية ام دكتاتورية. وكان لابد أن تكون هنالك قواعد.. وتعليمات تحولت فيما بعد الى قوانين مختلفة فكان القانون الرئيسي وهو الدستور ثم القانون المدني.. وقانون العقوبات وتوالت القوانين قانون الموظفين وقانون التقاعد وقانون الحماية الفكرية وقوانين اخرى متنوعه ضمن اهداف محدودة ولكن اهم ما في الامر هو تحديد صلاحيات الانسان .. وضمان حقوقه وامواله وكرامته.. وابعاده عن الظنون .. والخوف.. والريبة والاعتداء.
ومن هذا المنطلق الانساني العظيم.. اصبح القانون هو التاج الذهبي الذي لا يناله الا من يستحقه ولن يتحداه أياً كان مهما بلغ من النفوذ والقوة والقدرة على التحدي.. والعضلات.. والذكاء.. ولم ينج هذا التاج الذهبي العظيم من التحديات ولكنه ورغم غيابه المؤقت احياناً على يد الدكتاتوريات يبقى هو القمة التي لن تخضع ولا تحني الرقاب امام ظالم او عشيرة.. او طائفة .. او قبيلة.. او اية مجموعة تحاول الاستهتار والاستهانة والتقليل من شأنه وهذا ما يجب ان يفهمه الجميع .. لان من يحمل هذا التاج بجدارة هو الذي تكتب له الحياة وخط التاريخ أسمه بحروف ذهبية .. وليفهم الجميع ذلك.









