علي علي
اليوم نمر -نحن جميعا- بظرف ليس فيه متسع للوم او المحاسبة، فكما نقول (الطاوة حارة) و -نحن جميعا- في غنى عن متاعب التقريع والتوبيخ، وكشف حساباتٍ ونشر غسيل قديم، وكما للأعمال أولويات، كذلك للمشاكل والمصائب أولويات أيضا، ولحلولها قطعا أكثر من أولويات ودرجات اهتمام قصوى، نشترك -نحن جميعا- في صياغتها على النحو الأمثل والوجه الأكمل. و -نحن جميعا- مسؤولون عن النتائج كيفما كانت، و -نحن جميعا- ليس لنا مناص من المواجهة الحقيقية -وإن كانت صادمة- مع الأمر الذي وقع والذي واقع لامحالة. وليس من مصلحتنا -نحن جميعا- التهرب بعيدا، او الانزواء جانبا أمام ماتفرزه لنا الأحداث ومايستجد منها يوميا.
وماقصدته بـ -نحن جميعا- هو العراقيون المجنسون ليس على ورق ووثائق ثبوتية فقط، بل المجنسون بهوية عراقية لها امتداد روحي صادق قلبا وقالبا..
العراقيون الذين يستنشقون نسمات مدنهم بملء صدورهم وكأنها عبق من ريح الجنان، ولايستبدلونها بهواء بلاد غير بلادهم..
العراقيون الذين تمتد جذورهم مع امتداد حضارات سومر وأكد وبابل وآشور.. فيلتصقون بتراب الأرض المعطاء على مر العصور الغابرة واللاحقة..
العراقيون الذي يجري في عروقهم دم لايستغنون عنه، كما هم لايستغنون عن الماء الذي يجري في أحضان دجلة والفرات، ويستطعمون مذاقه ماءً عذبا سلسبيلا سائغا شرابه..
العراقيون الذين لاينام لهم طرف إذا مس شر او ضرر شبرا من محافظات عراقهم، وإن لم يكونوا قد رأوه او مكثوا فيه ولو لحظة..
العراقيون المنتمون الى كل عصور العراق تاريخيا وحضاريا، ومن كل أطيافه وشرائحه..
العراقيون المتألمون لما حدث بالأمس ومايحدث اليوم على أرضه، والشاكون لأنفسهم عن سوء ما جناه رعاع خونة محسوبون على العراق والعراقيين، وهم لاينتمون اليه من قريب او من بعيد، كما يقول شاعر:
وددت لو يسـتعيد الدهر دورتــه
ولو لحظة من زمان الأمس تسـترق
ماذا سأشكو على الأوراق من ألـم
أقــل شـكـواي لايقـوى لـه الورق
نحـن انتمينـا الـى تاريخنـا بدم
وآخـرون علـى تاريخهـم بصقـــوا
نعم…! هذا ماقصدته بعبارة -نحن جميعا- إذ من غير المعقول أن يستوي الأعمى والبصير.. ومن غير المستساغ ان يتساوى المحب للخير والجمال، مع الذين في قلوبهم مرض ولا يفقهون شيئا عن معنى الجمال وأشكاله وألوانه، فهم صم بكم عمي عن كل ماله صلة بالحياة..
ومن تكن نفسه بغير الجمال
لايرى في الوجود شيئا جميلا
ومن يـك ذا فـم مر مريـض
يجـد مـرا بــه المـاء الزلالا
هؤلاء هم الذين لايرون في دوران الأرض غير الصداع و (دوخة الراس) ولايرون في النجوم الزهر غير ضوء آفلٍ، ليس له في قاموسهم أي معنى، فيما يراه الطيبون الخيرون لآلئ تضيء صفحة السماء، فتبعث في نفوسهم التأمل في جمال الكون وعظمة صنيعة الخالق. اليوم نحن جميعا مطالبون بالوقوف أمام من يودون إرجاع عقارب كل الحضارات الى الخلف، وليس لهم من الحب والجمال والحياة الكريمة من شيء، هم بأسماء عديدة فمنهم؛ “الداعشي” ومنهم “الطائفي” ومنهم “السارق” ومنهم “الفاسد” ومنهم “المزور” ومنهم “المرتشي” وكثيرين آخرين بمسميات ليس لها حصر، علينا -نحن جميعا- مواجهتها.. فهل نتفق -نحن جميعا- على هذا؟!.





