عبد المنعم الاعسم
من السذاجة المفرطة إبداء الاستغراب حيال تحالف فضلات صدام حسين المسجلة باسم عزة الدوري مع تنظيم داعش، ثم، الاستغراب من بروز مخاشنات واحتكاكات، مرشحة للاتساع، بين التنظيمين في الموصل وتكريت والحويجة وبعض مناطق بغداد، وقد يذهب بعض السذج من المتفاجئين الى الفرضية البالية عن “علمانية” حزب البعث التي لا ترخص (هكذا يقال) الانخراط في مشروع ديني جهادي متطرف، يعتبر العلمانية كفرا وإلحادا وعدوا رقمه واحد في قائمة اعدائه.
وقد يحاول البعض، عن سذاجة اضافية، الزعم بان صدام حسين لم يكن طائفيا لكي ينضم ورثته الى مشروع يفيض بالطائفية العدوانية، وهي الاخرى فرضية مغشوشة روجتها ملاسنات واطروحات ظهرت اخيرا مع ظهور طائفيات مقيتة على شكل مؤسسات سياسية واستعراضات للقوة وطوابير من القتلى على الهوية الطائفية، فحدث ما يشبه الذي يعاني من جرح قديم فيغمد فيه حفنة من الملح.
صدام حسين اخذ الحزب الى مستنقعات الطائفية والعنف والشوفينية والرطانات الجهادية والايمانية، وأحدث، بمشيئة الفرد الطاغية، قطيعة بين البعث وفكره القومي العلماني المبكر، وانتهى الى حزب صدامي بكل ما تسمح به اشتقاقات اللغة والسياسة والفكر والتنظيم، وثمة بعض المعلومات عن هذا نجده في مذكرات فخري قدوري القيادي السابق في الحزب وابن عم شفيق الكمالي، كما نقرأه في وقائع تصفية اجيال من القيادات والكوادر البعثية على يد صدام حسين.
وعندما اختفى الدوري “الوريث” تحت العلاج قبل ست سنوات لفترة تزيد على عامين عُرف في ما بعد انه كان يعالج في منتجع سعودي، لكن الامر لم يكن لينطوي على لفتة انسانية قدر ما كان مصاهرة سياسية وضعت العلمانية البعثية في ثقب مغسلة الى الابد، وقد قرأنا معالمها الفاقعة في رسالة (نشرت مؤخرا) تلقاها الملك عبدالله من “اخوكم عزة الدوري” بمناسبة الذكرى الثمانين لتاسيس المملكة اعتزازا بدور المملكة في “تعزيز كلمة الامة العربية العليا ورفعتها وإعلاء شأنها في المحيط الدولي” وعلينا ان نتذكر التقارير التي اشارت عام 2008 الى وجود اتصالات وحوارات بين جماعة الدوري ومسؤولين في الادارة الامريكية كانت ستنجح في تكرار تجربة “القطار الامريكي” لولا ان تقاويم طاولات الحوار غير تقاويم الارض.
بعد الاحتلال وسقوط نظام الحزب الواحد كان الباب مفتوحا امام البعثيين للتخلص من الصدامية المقيتة، وقد تابعنا محاولات لتحقيق هذا التحول، لكن اسبابا كثيرة دحرجت اسم الحزب الى مستنقع الدوري الآسن بالطائفية والتجييش وطبول الحرب، وانتهى اخيرا الى قلب مشروع الردة الذي يتبناه داعش ويجد تطبيقاته في الموصل: سلاح ورجال ورطانات دينية. تصوروا ان تنظيم “رجال جيش الطريقة النقشبندية” هو الذراع العسكري للدوري الذي سمى نفسه “قائد جيوش المجاهدين” حيث يظهر على الشاشات الملونة بنياشين الجنرالات على نحو يثير السخرية في زمن اغلقت المساخر منافذ الاوكسجين علينا.
“الله لايمكن أن يعطينا عقولا ويعطينا شرائع مخالفة لها”
ابن رشد





