حوارات وتحقيقات

الروتين في الدوائر … مضيعة للوقت والجهد والمال

من العوائق التي تحول دون إنجاز معاملات أو مراجعات المواطنين للدوائر الحكومية هو الروتين الإداري الممل والتي تأخذ من المراجع مهما كان عمر المراجع رجلا كان أم إمرأة! وقتا طويلا لإتمام أي معاملة , المهم أن يقف المراجع أمام شباك الموظف المسؤول تحت أشعة الشمس الحارقة في موسم الصيف ومعروف لدى العراقيين أن موسم الصيف في العراق ليس ثلاثة أشهر كما هو في نظام الكرة الأرضية بل أكثر من ستة أشهر , وكذلك الوقوف في موسم الشتاء البارد من أجل أكمال معاملة المراجع في حالة إذا أكملت في يوم واحد !! وبسبب الروتين الإداري والتشعبات الإدارية والفنية الكثيرة تخلف بعض الأحيان نوعا من الفساد الإداري في تمشية معاملة ما , وهذه آفة قاتلة للوقت والجهد والمال والسفر . رغم وجود التقدم العلمي والتقني في أكثر دول العالم المتحضر في تمشية المعاملات المختلفة ( الحوكمة الألكترونية ) التي لا تأخذ من المراجع سوى دخوله في مواقع الأنترنيت لكل دائرة يروم مراجعتها أو الحصول على أي كتاب رسمي من تلك الدوائر فيأتيه الجواب بعد لحظات وهو في بيته أو في مكتبه . 

تحقيق : محمد الموسوي

ومن ملفات الفساد الإداري والتزوير هو الروتين في تمشية معاملات المراجعين الذين يتقدمون بشكواهم الى وسائل الإعلام المختلفة لطرح ما يعبر به عن رأيه عن الروتين الإداري والتأجيلات المستمرة لإكمال المعاملة المراد إنجازها والمماطلة في إنجاز أي معاملة ومرور المعاملة بأكثر من مسؤول ويحدث أن بعض المسؤولين مجاز، أو أخذ ساعة زمنية ولم يعد لدائرته أو أرسلته دائرته للإيفاد المستمر داخل العراق أو خارجه وهي من أسباب الفساد الإداري في الدوائر . وبهذا على المراجع أن يأتي في اليوم الآخر أو ينتظر المسؤول المعين عند مباشرته بالدوام بالدائرة المعنية وهذا أحد أسباب تأخير أنجاز المعاملات وهو من اشكال الروتين الممل في العراق . وإن حلبة الروتين في الدوائر الحكومية في العراق تزهق أرواح المراجعين , وأضاعت الوقت والجهد والمال , والأدهى من ذلك يقول لك الموظف : (تعال غدا أو بعد أسبوع أو بعد شهر وهكذا !) وهناك في كل دول العالم المتقدم يكون للمواطن بطاقة موحدة تجمع عدة وثائق ثبوتية تعود له وتغنيه عن تقديم المستمسكات الأخرى ,بينما يحدث الآن في دوائر الدولة في العراق الجديد تقديم المستمسكات الرسمية الأربعة المبشرة بالجنة !! مع كتاب صحة صدور وغير ذلك من المتطلبات . فإنها متطلبات تؤرق المواطنين في ظل الظروف الأمنية الصعبة التي يمر بها العراق , وعلاجها بسيط هو تفعيل الحوكمة الألكترونية كما معمول بها في أغلب دول العالم المتحضر .

وللإطلاع على كيفية الحلول الناجعة لهذه المعضلة التي لم تتغير رغم التقدم العلمي والإداري وكثرت الدورات الإدارية داخل العراق وخارجه لكن يبقى الروتين كما هو ! . ولتجاوز العقبات والوقوف في طريقة حلها أخذنا آراء بعض المسؤولين والمواطنين في هذا الشأن:

المواطن جواد حمود (66 سنة) قال أنه يراجع هذه الدائرة كل فترة من أجل الحصول على تنظيف الجدول المائي المار بقريته دون جواب رغم الوعود والمراجعات المكلفة والروتين الإداري وهي عديدة منها كتب إثبات مختلفة رغم أنه يراجع من أجل قريته وليس له وحده .

أحد المواطنين يصرخ على الموظف ومن حقه حيث قال لنا : منذ الصباح ومع بداية الدوام الرسمي للدائرة والى نهاية الدوام لم تنجز معاملتي وكل ذلك يقول لي الموظف تراجع غدا .. ألا يستحق صراخي بوجههم بسبب تكاسلهم بإنجاز معاملتي البسيطة خلال يوم واحد , والأدهى من ذلك كل يرمي التوقيع على الآخر وعندما يرسلك الموظف الى موظف تجده غالقا شباك المراجعين لتناول وجبة الطعام والمراجعون (يتحمصون بالشمس) ! والروتين هو حقيقة مضيعة للوقت وجهد المراجع أو المراجعة وصرف أموال للنقل وتحضير المستمسكات الرسمية وإستنساخها .      

 المهندس حميد بهيه مدير الموارد المائية في بابل قال: أن دائرته هي واحدة من الدوائر الحكومية التي تختص بإيصال المياه الى أبعد نقطة في عموم محافظة بابل والإشراف على تنظيف وكري الأنهر والجداول والمبازل بين فترة وأخرى من النباتات والنفايات المختلفة التي ترمى في تلك الموارد المائية, والمراجع يريد حقه بشكل آني وأي دائرة حكومية لا تقوم بعمل مباشر إلا بعد إستحصال الموافقات الإصولية والقانونية والإدارية والفنية ثم بعد ذلك تقوم الشعبة المختصة بواجبها المرخص لها بالخروج خارج الدائرة لإجراء عمل أو كشف موقعي أو غيره فهذا يأخذ وقتا والمواطن يشكو على هذه الدائرة أو تلك .

المحامي علي النعيمي أكد على موضوع الروتين في كافة الدوائر فقال : لولا الروتين لما زاد الفساد الإداري والمالي والرشوة فهناك روتين قاتل يفرض على المواطن أو المراجع دفع رشوة إضطرارا من أجل إحترام نفسه وحفظ كرامته بدفع هذه الرشوة مجبرا ومكرها للخلاص من الروتين المقنع أويقوم بالإعتماد على المقربين في الدوائر أو المعارف أو المعقبين أو المحامين لتمشية معاملته , هذا كله بسبب واحد هو إستفحال الفساد الإداري والمالي لدى بعض الموظفين ذوي النفوس الضعيفة , ويكاد يكون الفساد الإداري مشكلة من مشاكل الروتين القاتل والتي تواجه الحكومة العراقية وبعض دول العالم , ولذلك نرى أن الفساد الإداري تفشى قبل وبعد التغيير في أغلب مفاصل الدولة العراقية مع الأسف , بل زاد في الوقت الحاضر ويجب أن تتخذ السلطة قرارات رادعة بحق المرتشين قطعا لدابر تصرفاتهم هذه .

لرجل الدين رأي:

رجل الدين الشيخ مناضل ناصر قال عن الروتين والرشوة أن الوسيلة الأمثل والمهمة في هذا الوقت بالذات للقضاء على الروتين والرشوة والفساد الإداري هو نشر الوعي الديني والإرشادي المستمر من قبل رجال الدين والإعلام  والتي تقع عليهم مسؤولية كبيرة في توعية الناس وخصوصا أجيالنا  بخطورة هذه الآفة الخطيرة على المجتمع العراقي والآثار السلبية المترتبة على الفرد المرتشي أو الذي يصر على الروتين في سبيل إتعاب المراجع حتى يضطر هذا المراجع المسكين بدفع الرشوة لتمشية معاملته

وبذلك يدخل  مال الحرام من قبل المفسدين الى بيته وأسرته, فيجب على عاتق كل رجل دين ووسائل الإعلام المختلفة نشر الوعي الديني والتحلي بالخلق الرفيع والسير بسيرة وسنة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) رسول الإنسانية والرحمة والخلق الرفيع .

ميثم الجبوري معاون محافظ بابل للشؤون الإدارية قال: أن الروتين يؤخر المعاملات لكنه يضمن صحة وسلامة حقوق المواطن خاصة مع وجود كافة المستمسكات الرسمية التي تثبت أدعاءه وطلبه لتمشية سير معاملته في كل دوائر الدولة وحسب السياق المتبع .

وبين الجبوري أن تطبيق نظام العمل بالحوكمة الألكترونية والشروع في العمل بتطبيقه أسوة بباقي دول العالم المتقدم في إنجاز المعاملات عن طريق المنظومة العنكبوتية (الانترنيت) ومع تطور أجهزة الأتصالات المختلفة التي دخلت البلد بعد التغيير والأنفتاح على العالم المتقدم علميا وتقنيا .

وأعرب الجبوري عن أسفه لتأخير إنجاز معاملات المواطنين , لأن قسما من المعاملات تحتاج الى ثبوتيات رسمية والمراجع لا يعرف ما يريده الموظف المسؤول عن إنجاز المعاملة وأن هذا الموظف تريد منه دائرته إنجاز المعاملات التي في عهدته من قبل مرؤوسيه , إضافة الى تبليغي لكافة موظفي دوائر الدولة في المحافظة بأخذ الجانب الإنساني في تعامل الموظف مع المراجع ومساعدته بالقدر الممكن لغرض إنجاز معاملات المراجعين مهما كانت المعاملة لأن أكثر موظفي الدوائر إدخلوا دورات إدارية وعلمية وعلى الحاسوب والأنترنيت وأتباع الطرق الحديثة المتطورة في إنجاز المعاملات والقضاء على الروتين القديم الذي يتلاشى مع الزمن وذلك بتطبيق العمل بالنظام الألكتروني بإستخدام الحاسوب والأنترنيت لحفظ المعاملات والسجلات ومراجعتها حسب الطلب المقدم من قبل المراجع سيجد كافة الأوليات التي يحتاجها المراجع والموظف معا موجودة ومحفوظة في الحاسبة حفاظا عليها من الضياع والخزن القديم للإضابير وفي نفس الوقت القضاء على الفساد الإداري والمالي والروتين معا .

وإلتقينا  برئيس لجنة العلاقات العامة في مجلس محافظة بابل عليوي فرحان الذي أكد على وجوب تعامل الدوائر الحكومية بنظام الحوكمة الألكترونية وإلغاء الروتين الممل والنظر من الناحية الإنسانية لكل مراجع مهما كان المراجع كبير السن أو صغير أو إمرأة كبيرة أو شابة المهم إنجاز المعاملات والكتب والجوابات الرسمية بأسرع ما يمكن بدل معانات المراجعين الإنتظار الطويل تحت حرارة الشمس المحرقة صيفا أو أثناء برودة الجو القارص شتاء. وأكد فرحان بإتباع تلك الدوائر الطرق المتطورة تقنيا فهي ضرورية ملحة في الحد من الروتين الممل في الوقت الحاضر الذي نعيش فيه فهو عصر العلم والسرعة والتكنلوجيا الحديثة.

وأشار الى موضوع شعبة السجلات وخصوصا شعبة الولادات والوفيات التابعة الى دائرة صحة بابل حيث يتم إستلام الأوليات من المراجع ثم إرسالها الى الحاسبة وإدخالها وذلك لمنع حالات التزوير التي تحدث في المستشفى أو من غيره, لأن هذه الطريقة أسرع وآمن من الروتين المتبع الذي يؤخر إنجاز المعاملات في السابق للحصول على شهادة ولادة أو وفاة وهو مستمسك مهم للمواطن .

المواطن حاتم شاكر شكى من دائرة الجوازات الذي يتحمل المراجع أياما كثيرة وقتلا للوقت والجهد والمال والإرهاق لإكمال الجواز , ومن أمثلة الروتين في هذه الدائرة أنك حتى لو أحضرت كافة مستمسكات البيت ! فيطلع عليك المسؤول عن الشعبة المختصة بحجة نقص مستمسكات رسمية أخرى لـتأخير المعاملة  بشتى الطرق الروتينية,  والفائز في هذه المواقف الذي يحصل على الجواز في يوم واحد من كان مسؤولا في الدولة أو ذا حظ عظيم !

سألنا أحد المراجعين للمصرف العقاري وهو في حالة هستيرية لما عانى من المراجعات المستمرة لهذا المصرف فيقول: مرت على تقديم معاملتي أكثر من خمسة أشهر دون الحصول على دينار واحد ! وخلال هذه الفترة صرفت مبالغ كثيرة منها تحضير مستمسكات وأجور نقل ومصاريف الكشف  ومصاريف أخرى دون جدوى بسبب الروتين .

ومراجع آخر خرج من دائرة صحة بابل وهو يريد أن يشكي أمره الى الله سبحانه لما أصابه من غبن واضح , فتقربنا منه بعد أن خففنا مما يشكو منه حتى لا يندهش منا ولم أقدم له نفسي بأني صحفي بل سألناه عما أصابه فأجاب بحرقة وبسرعة وأراد أن يبكي فقال : أنتسبنا الى وزارة الصحة بعد نقلنا من وزارة الصناعة وحسب الكتاب الذي أمامك الذي يشير الى تأريخ المباشرة في مستشفى النور في الحلة 1 / 12 / 2011 ورغم المراجعات الكثيرة الى دائرة صحة بابل ووزارة الصحة لشمولنا بالراتب المخصص لنا فلم نحصل على جواب ورغم نشر شكوانا الى بعض وسائل الإعلام ورغم مواجهة المدراء العامين لصحة بابل السابقين وشرحنا حالتنا المأساوية بدون راتب رغم عملنا المستمر في تلك المستشفى  دون جدوى وخلال هذه الفترة الطويلة لم يبق شيء لم نبعه من أثاث المنزل وممتلكات أخرى إضافة الى تراكم الديون علينا من كل مكان . وأشار الى وجود أكثر من 60 موظفا مثله يمرون بنفس المصير دون الحصول على وعود من قبل المسؤولين في المحافظة بعد أن طرقوا كل الأبواب الرسمية بسبب روتين الحسابات.

أمرأة طاعنة في السن تراجع دائرة الرعاية سألناها عن شكواها التي أعتقدت أننا من موظفي الدائرة فقالت بكلام جميل وحقيقي هو: أني لا أملك أموالا ولا أملاكا ولم أدفع رشوة وليس لدي مبلغ أرجع به الى داري وراجعت أكثر من مرة لشمولي براتب الرعاية فلم أحصل عليه ولم يساعدني أحد. ومن الجانب الإنساني والمهني أوصيت الموظف المسؤول في الدائرة بتمشية معاملتها بعد ما عرفته على هويتي .

  والمدهش أننا شاهدنا الكثير من الحالات المأساوية في العديد من الدوائر الحكومية من المراجعين الذين يشكون من الروتين الإداري المقنع والممل وهو مضيعة للجهد والوقت والمال ونحن في زمن التكنلوجيا والعلم الحديث والأنترنيت والحاسوب ومشروع الحوكمة الألكترونية في العراق الجديد  ويريد العراقيين تطبيقه بالسرعة الممكنة ليرتاح العراقيين من مراجعات الدوائر واللحاق بالركب العالمي المتقدم في تمشية المعاملات والمستمسكات الرسمية حتى لا يضيع حق المراجع ولا تشهد رشاوي ولا تزوير أثناء تطبيق الحوكمة الالكترونية في العراق.        

والجدير بالذكر فقد أكدت لجنة النزاهة النيابية أن نسبة الفساد المالي والإداري تصاعدت بصورة واضحة في هذا العام . هذا ما أكدته عالية نصيف عضو اللجنة وقالت أن نسبة الفساد الإداري والمالي والروتين الممل فهو مضيعة للوقت والجهد والمال في المؤسسات الحكومية أزدادت الى 7 % فيما كانت النسبة في العام الماضي 2013 لم تتجاوز 5 % رغم وجود عقوبة لكل موظف تثبت عليه المماطلة في إنجاز المعاملة في سبيل الحصول على الرشوة بخمس سنوات سجن بإعتبار القضية جنائية وهو حل رادع وفعال لو طبق بشكل صحيح في مفاصل الدولة .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان