كتاب الحقيقة

شكرا "كيري" على نصيحتك..

علي علي

 
   لاشك أن معظم الناس -الأسوياء حصرا- يهوون كل جديد في شؤون حياتهم، ويتوقون الى التغيير بين الفينة والأخرى، كما هم يمقتون التكرار والاجترار، ويكرهون الركون الى نمطية واحدة في يومياتهم، لاسيما إذا كانت جافة او معقدة، او لايرون فيها صلاحا او فلاحا، فنراهم يتطيرون ويجزعون من الرتابة والعيش بوتيرة جامدة. وقد قال تعالى: “إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا”. ولعل هذا الطبع صار دافعا الى ابن آدم لكشف غوامض الأحداث، وسبر أغوار المخفي منها، والغوص في فك طلاسم ما يمر به من مجريات الأمور، ساعيا بهذا الى خلق حياة مستقرة آمنة، وهو بهذا يضرب عصفورين او ثلاثة بحجر، فالعصفور الأول هو التجديد.. والعصفور الثاني هو التغيير نحو الأحسن.. والعصفور الثالث هو ضمان قادمات الأيام الحبلى من ولادة مايخشاه.
   هنا في عراقنا.. تطير فوق رؤوسنا عشرات العصافير التي  يتوجب علينا صيدها، كما ان هناك آلافا مؤلفة من الغربان والـ (ططوات) يتحتم علينا ضربها وإسقاطها، قبل أن تكون سببا في إسقاطنا أرضا، بضربة قاضية لاسمح الله. ولكن أمرا حرجا يقف حائلا بيننا وبين صيد العصافير وضرب الغربان، هو أننا لانملك حجرا واحدا بأيدينا.. وقد ظن البعض أن الحجر الذي قدم الينا قبل يومين من أمريكا هو عين الطلب، وهو الحجر الذي سيلتقط لنا العصافير وطيور الحب جميعا، ويجلبها الينا منصاعة لتملآ حدائقنا زقزقة ورياضنا تغريدا وشدوا، وهو ذاته الحجر الذي سنضرب به طيور الشر، وندرأ به القادم منها من شرور. تلك الحجارة هي  وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، الذي خال كثير منا أن مجيئه للعراق في ظرفنا الخطير سيكون العصا السحرية التي تحل مااستعصى على الجميع حله. ولكن ظنوننا لم تكن في محلها، وليس “كل ما يتمنى المرء يدركه”. إذ يبدو ان الرجل جاء لـ (يرزِّل) أغلب ساستنا في قوله: “يجب أن توجد وحدة وطنية بين العراقيين لطرد المتمردين التابعين لتنظيم داعش الذين سيطروا على أجزاء كبيرة في شمال العراق وغربه”. وقطعا ماقصد كيري إلا السياسيين الذين لعبوا بمصائر العراق والعراقيين ماشاء لهم لعبه برهان فاز فيه أعداء العراق فقط. ولاأظن فرقة أكثر من فرقة ساستنا ولا شتاتا أوسع من شتاتهم، فهم الذين شبوا وشابوا على الصراعات والمناكفات، والتي أدت الى ما آل اليه الوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي للبلد. وبقوله إشارة واضحة ان لاسبيل لطرد داعش والإرهاب غير وحدة السياسيين ووقوفهم صفا واحدا أمام داعش وغيرها من قوى التخريب والدمار التي اجتاحت البلد.
   كما أستطيع القول جازما ان كيري ليس هو الحجر المطلوب الذي نضرب به في لعبة داعش القذرة، ودليلي على هذا قوله: “يجب أن تتعاون دول المنطقة من أجل طرد مسلحي داعش، لأنه من غير المقبول أن تظل منظمة إرهابية مسيطرة على بعض الأراضي، متحدية شرعية الحكومات”. وهنا هو ينفخ في قربة مقطوعة، إذ كيف يرجو من دول المنطقة التعاون في طرد شبح ساهم بعضها في ولادته وإنشائه وتغذيته، ومن ثم جلبه الينا؟ فشكرا كيري على نصيحتك.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان