عبد المنعم الاعسم
نحتاج الى قراءة ما حدث لمصائر خارطة العالم ودولها لقرن واحد من السنين، فسنكتشف ان دولا كثيرة غادرت خارطاتها الى مصائر اخرى من السهل احصاؤها وترسيم المسارات التي قطعتها.
وقد انتبه العقل الغربي فجأة الى ان سقوط الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الاشتراكية لم يكن ليعني شيئا كبيرا على نطاق الحلم القديم بانتصار “نموذج الدولة الحر” في صراعها مع الدولة الشمولية، فسرعان ما تشكلت خارطات جديدة ومعادلة جديدة في توازن القوى، بقيت فيها روسيا الجديدة المتحدرة من دولة الاتحاد السوفيتي على قطب والولايات المتحدة على القطب الآخر فيما تماهت الملامح الشمولية في منظومات الادارة الامريكية وبخاصة في عهد بوش الابن، ووجدت بعض عناصر الحرية الراسمالية بيئة ناشطة في ادارة الدولة الروسية الجديدة.
هكذا اعيد السؤال المبكر عما سقط بسقوط جدار برلين والبيروسترويكا، وما لم يسقط بعد، فيما امتدت مشغولية العقل الغربي الى الظاهرة الصينية الجديدة، في سؤال استباقي: هل ستصبح الصين دولة رأسمالية من غير ان يسقط نظامها “الاشتراكي”؟.
لكن مارتن جاك مؤلف كتاب “عندما تحكم الصين العالم“ نعى حلم الغرب الذي انتعش في الثمانينيات والتسعينيات بان الصين ستنتمي الى ثقافته الراسمالية المعولمة والى الابد، وقال “إن هذا محض وهم.. فالوقت لن يجعل الصين تبدو غربية بل سيجعل الغرب والعالم يبدوان صينيَّيْن!” ولايتردد الكاتب في تفكيك مفهوم سقوط الانظمة على يد المعارضات، بوصفه سقوطا للمعارضات نفسها إذ تعيد انتاج وتجميل الدولة المغضوب عليها، ويلفت جاك الانظار الى قضية غاية في الاهمية وهي ان سقوط وتفكك المنظومات السياسية والعقائدية تم ويتم على يد رواد تلك المنظومات.. فهل كانت الأنظمة الحاكمة في روسيا ودول شرق اوربا ستسقط على يد قوات الناتو إن لم تسقط على يد الروس والالمان الشرقيين والبولونديين والبلغار والهنغار قبل ذلك؟.
بل ان المؤرخ الأمريكي بول كيندي كان أول من قرأ اشارات سقوط الإمبراطورية الأمريكية، في كتابه الشهير “صعود وسقوط القوى العظمى” بمعنى تراجعها كقوة عظمى، بعد ان تصدعت قدرتها الإنتاجية بمواجهة قدرات الصين والمانيا واليابان.
ان رحيل الدول من خارطاتها ظاهرة تاريخية كونية يتم من خلال فجوات معقدة في تناسب القوى الضاغطة وفي النسيج الاداري والسياسي والاقتصادي، وقد ضربت هذه الظاهرة تشكيلات الدولة الاسلامية الباكرة، فغادرت الدول صفحات التاريخ تباعا وتركت في حافظات ومدونات المؤرخين قراءات وفيرة ومتضاربة.. كما هو يحصل لدينا.
“الشعب الذي يسير على طريق الموت يحتمل الحاضر، وينبذ المستقبل، ويتمتع بالعظمة الماضية والمجد الذي لا يذكره جيدا”.
جون شتاينبك





