اراء وأفكار

إعادة تحرير العراق!

الحلقة الاولى 

ميثم الجنابي

 

إن المسار المعقد للأمم العريقة، عادة ما يكون أكثر تعقيدا زمن المراحل الصعبة والانكسارات العنيفة والاحتراب الداخلي، وذلك لأنها تستثير كل ما في الذاكرة من رموز ونماذج وأساليب، هي من حيث الجوهر جزء من تقاليد قديمة أدت ما عليها واندثرت. وقيمتها الجميلة والضرورية تكمن فقط في كمية ونوعية توظيفها بالشكل الذي يخدم تعميق وتوسيع وعي الذات القومي والثقافي العقلاني.

ويقف العراق بعد قرن من تحرره الأول من السيطرة التركية العثمانية، أمام القضية الجوهرية بالنسبة للدولة والمجتمع ألا وهي قضية الحدود الجغرافية السياسية وفكرة الدولة والأمة والنظام السياسي والمجتمع المدني. فقد كان تحرره الأول دخولا في فلك الانتداب البريطاني الكولونيالي. وكان “تحريره” الثاني من الدكتاتورية الصدامية دخولا في فلك الهيمنة الكولونيالية الأمريكية الجديدة. وفي كلتا الحالتين كانت النتيجة واحدة، ألا وهي صعود وصمود وقتال العراقيين العرب من اجل “دولة عراقية مستقلة”. وإذا كان تحرره الأول قد أدى بأثر انتفاضة العشرين التي أشعلها عرب الوسط والجنوب، إلى “انتخاب” ملك غريب المنشأ عن العراق، فأنها كانت تحتوي بذاتها على مساومة غريبة المحتوى، تقوم في ضياع إمكانية إرساء أسس الدولة بالاعتماد على نخبها الوطنية الفعلية. وقد جرى تصحيح هذا الخطأ التاريخي عام 1958، مع أن الانقلاب العسكري (ثورة تموز) كان يحتوي من حيث انعطافته الحادة على تخريب لما كان يتراكم في رحم الدولة من قوى اجتماعية قادرة على توجيه مسار الدولة والمجتمع والنظام السياسي صوب تكاملهم الفعلي بمعايير الدولة الوطنية والمجتمع المدني والنظام السياسي الديمقراطي. غير أن التاريخ، كما يقال لا يعرف لو! من هنا استمرار الخطأ التاريخي الأول ولكن من خلال “خطة” أكثر تخريبا، والتي أخذت تتراكم بمعايير النفسية الراديكالية للأطراف والهامشية، مع ما ترتب عليه من توظيف واع وغير واع للبنية التقليدية (العائلة والقبيلة والجهة والمذهب). بحيث تحولت الدولة العراقية إلى جغرافية مجموعة بقوة العنف الإكراه. ومن ثم تفريغ شبه شامل للمحتوى الاجتماعي والسياسي للدولة والمجتمع والثقافة بشكل عام والسياسية بشكل خاص. بمعنى تفككه الداخلي وامتلاؤه بمختلف الأمراض والقوى الخبيثة، والتي مثل النظام الدكتاتوري الصدامي والتوتاليتارية البعثية ذروته. ومن ثم ليس ما جرى ويجري بعد الاحتلال الأمريكي للعراق من انهيار “للدولة” وصعود وانتشار وتغلغل فكرة القوة والعنف والإرهاب سوى احد المظاهر الخارجية لنوعية وكمية هذه الأمراض الداخلية.وفيما لو نحينا جانبا كل الإشكاليات المتعلقة بالاحتلال الأمريكي من حيث مقدماته وشعاراته وأساليبه وغاياته، فان الحصيلة التي يقف أمامها العراق الآن تقوم في عدم استطاعته لحد الآن إرساء أسس الدولة الوطنية الناجحة.

لقد اخرج العراق (ومن جديد أهل الوسط والجنوب) قوة الاحتلال الأمريكي. بينما وقف الأكراد واغلب القوى السياسية لعرب المناطق الغربية بالضد من ذلك. من هنا محاولاتهم الحثيثة والدائمة، التي تجسد معنى التآمر والخيانة الوطنية، لإفراغ أية محاولة ترمي إلى تأسيس الدولة على أسس المركزية الدستورية وفكرة المواطنة ونظام الانتخاب الديمقراطي الفعلي. من هنا ظهور وتوسع وقبول القوى الكردية (العرقية) والنخب “السنية” بفكرة الأقاليم والمحاصصة والشراكة بوصفها “منظومة” لإضعاف المركز، إضافة إلى الاستعداد الدائم للتآمر والخيانة والقيام بكل ما في وسعهم من اجل تخريب المشروع الديمقراطي الاجتماعي الوطني الفعلي في العراق. وليس هذا الأخير في الواقع سوى مشروع تأسيس الدولة الوطنية على أسس قوية وراسخة وثابتة تضمن لها إمكانية النمو والتطور الديناميكي والعقلاني.  وضمن هذا السياق يمكن فهم وتحديد المغزى الفعلي والغاية الكامنة في “هجوم” داعش على الموصل واحتلاله “للمناطق السنية”، اي للحواضن الفعلية الكامنة في ثغور الخلل الفعلي لبناء الدولة العراقية الحديثة. بحيث نسمع عبارة “تحرير” الموصل والمناطق السنية وما شابه ذلك. وبالمقابل نرى السلوك المشابه للقوى الكردية فيما يتعلق “بتحرير” كركوك و”المناطق المتنازع عليه”. ومع أن المقارنات التاريخية لا تخلو من تعميم يلغي كمية ونوعية التحولات البنيوية في تاريخ الدول والأمم، إلا أنها تكشف، حالما تتكرر بطريقة أشبه ما تكون بحذو النعل بالنعل، عن وجود واستمرار نفس الخلل الذي ينتج ظواهر من هذا القبيل. فقد تعرض العراق بعد انقلاب تموز 1958 إلى مواجهة عنيفة علنية ومستترة من جانب القوى البرازانية وأهل السنة والبعث واليسار (الشيوعي) وبعض تيارات المرجعية الشيعية (الحكيم)، من خلال تركيزها على “دكتاتورية عبد الكريم قاسم”. ونرى الحالة نفسها تتكرر. كردية برازانية وأهل السنة وبعث (نقشبندي وإسلامي!) ويسار ديمقراطي (مستكرد ومغترب) وعمار الحكيم ومقتدى الصدر. وكلهم يجتمعون على شعار “دكتاتورية المالكي” وضرورة تنحيته عن الحكم. وقد جرى تجريب كافة الأساليب. فيما مضى عن طريق الانقلاب العسكري، والآن عبره أيضا مع تغطية إعلامية وتغليف “قانوني”. وإذا كان بالإمكان الإطاحة بعبد الكريم وتسيير الدولة صوب تخريبها الفعلي، عبر إعادة تركيبها على أسس جهوية وقبلية وعائلية وطائفية، فان الغاية الحالية للصراع ضد المالكي تسير بنفس الاتجاه. بمعنى محاولة الإطاحة به من اجل إعادة الدولة إلى ما كانت عليه، ولكن في ظل حالة بنيوية يصعب التحكم بها كما كان في الماضي القريب.  

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان