الحلقة الثانية.
ميثم الجنابي
لقد تحولت الحرب الأخيرة في العراق ما بعد الغزو الهمجي لداعش لبعض مناطق العراق، من صراع سياسي علني ومستتر ومسنود من جانب الأطراف التي فقدت السلطة (السنة) والقوى الساعية لإضعاف المركز من اجل الانفصال (الأكراد)، إلى حرب “تقودها” في الظاهر قوة همجية وغريبة وبدائية ومنغلقة، هي الصيغة الأكثر تطرفا لانغلاق المساعي العملية للقوى التقليدية. وذلك لان داعش هي حركة هجينة ومنغلقة و”هلامية” بمعايير الفكرة الدولتية والمستقبلية، وذلك لأنها تمثل عصارة الانحطاط التام للحنبلية الوهابية وتقاليدها البدائية البدوية. وبالتالي، فانه لا علاقة لها بالتقليد الإسلامي الثقافي والمدني. كما انه ليس لداعش علاقة بالعراق والشام وذلك لأنها مجرد صورة متخيلة لبدو اللسان النجدي و”أممية” إسلامية طوباوية وبدائية. وبالتالي، فان القوى الفاعلة بمعايير داعش هي مجرد جغرافيا الثقافة البدوية النجدية، اي الامتداد الجغرافي والثقافي والاجتماعي لنجد والانبار حتى الدير زور، اي ذلك الشريط الجغرافي الصحراوي (البادية) الذي يقطع مراكز وادي الرافدين (العراق والشام).
فقد كشفت الأحداث الأخيرة في الموصل، اي المنطقة التي تربط العراق بالشام، عن طبيعة المحاولة الوهمية لصنع وحدة عراقية شامية ولكن بمعايير الفكرة البدوية وتقاليد الوهابية البدائية. أما من حيث أصولها ومحدداتها فهي مجرد بنية تهدف من حيث مساعيها ونتائجها العملية إلى إثارة التجزئة والتقسيم والتخريب والتخريف وعرقلة إمكانية بناء الدولة الحديثة. ومن ثم لم تكن حالة الانتكاس في “الجيش العراقي” ذات صلة بالجيش العراقي الوطني. وذلك لأنها مجرد مؤامرة وتواطؤ كردي (بشكل عام وبارزاني بشكل خاص) وبقايا عثمانية وتقاليد بدوية سنية. وذلك لأنه جيش يتألف من تركيبة المحاصصة والجهوية. ومن ثم لا يمكن أن نطلق عليه لفظة عراقي. وذلك لأن كليهما لا ينتميان إليه. فالأكراد ليس شعبا عراقيا، والبارزانية نفسية وذهنية انفصالية ومن ثم تتسم من حيث أصولها وجذورها ورغباتها وغاياتها بتفكير المؤامرة والمغامرة تجاه العراق ومن ثم الاستعداد الدائم للخيانة. والأمر نفسه ينطبق على الضعف الذاتي للسان النجدي. فهو “عالة” اطرافية لم يجر لحد الآن دمجها في بنية المجتمع العصري الحديث عبر تفكيك بنيته الاجتماعية ودمجه في تيار المعاصرة المدنية (في العراق وسوريا). فقد تحول، بأثر الصيغة التي جرى بها إرساء أسس الدولة العراقية في عشرينيات القرن العشرين، إلى مصدر للعسكرة والانخراط في صفوفها. بينما جرى لاحقا اندماجه في مغامرات السلطة (الانقلابات العسكرية) ومن ثم تحوله إلى مصدر لتقاليد القمع والترهيب. من هنا يمكن فهم بقايا وفاعلية هذه الذهنية والنفسية، اي تحولها السريع من قومية وعراقية وعلمانية إلى جهوية وطائفية وإرهابية سافرة. بمعنى غياب أو ضعف بنية المرجعيات العامة تجاه العراق كدولة ومجتمع. والشيء نفسه ينطبق على الأكراد. فقد كشفت أحداث الموصل الأخيرة بصورة جلية عن طبيعة التواطؤ في فرار “الجيش” ومحاولة استقطاع أراض وضمها إلى “كردستان” وسرقة الأسلحة، اي كل ما يكشف عن النفس الباطنة للقوى الكردية باعتبارها أما قطاع طرق أو مهربون، اي إلى منطقة أو إقليم مصطنع في العراق، والى قوم دخيل عليه.
إن كل هذه الهجمة هي محاولة الاستعاضة عن نتائج الانتخابات بمساومات حزبية. أنها عملية بائسة تعكس حالة الانحطاط المتراكمة في المرحلة الدكتاتورية، وصعوبة بل عسر المرحل الانتقالية. غير أن الأحداث تجري عبر مكرها التاريخي، أو كما يقال، رب ضارة نافعة. والتاريخ الفعلي للأمم لا يمكنه أن يجري بطريقة مستقيمة. انه تعرجات هائلة، وأكثرها عسرا وتعقيدا وأذية عادة ما ترجى في المراحل الانتقالية، التي تفتقد فيها الدولة والمجتمع إلى مرجعيات (مبادئ) روحية وثقافية كبرى جامعة.
لقد أدت أحداث الموصل وصعود الموجة الداعشية إلى تبيان وظهور اغلب حقائق الأشياء كما هي، اي أنها لم تعد بحاجة إلى تكهن وتحليل. وليس مصادفة أن تصبح دعوة “الجيش الرديف” ثم الدعوة الأخلاقية العملية (فتوى السيستاني) إلى وجهتين لعملة واحدة هي عملة الإرادة الوطنية العراقية الحرة، اي المحكومة بتلقائية المصالح وقواها الاجتماعية الحية. ومن الممكن رؤية ذلك في طبيعة الخلاف بين الكمية الهائلة من فتاوى مرتزقة آل سعود وأتباعهم الممولة بأموال السحت التي لم تستطع على مدار سنوات تجنيد إلا إعداد قليلة من القتلة والمجرمين والمغفلين، بينا عبارة واحدة من السيستاني أثارت الحمية الاجتماعية السياسية الوطنية العراقية بطريقة ساهمت على خلفية الفكرة السياسية للمالكي بتجنيد الملايين. بعبارة أخرى، إننا نقف ردة الفعل التاريخية الكبرى، التي سحبت وسوف تسحب الجميع نحو معادلة “ثورية” لم يعرفها تاريخ العراق فيما لو جرى توظيفها الواقعي والعقلاني والمستقبلي.









