تعتبر الفنانة ماري منيب واحدة من جيل الرواد والأساتذة الكبار في فن التمثيل بشكل عام وفي فن الكوميديا بشكل خاص، فهي بمثابة هرم “الكوميديا النسائية”، ليس لأنها من جيل عمالقة الفن أمثال يوسف وهبي والريحاني والكسار وبشارة واكيم، ولكن لأنها تملك أسلوبا مميزا وفريدا في الأداء الكوميدي بلا منازع.
بلغت مرتبة متميزة في الفن لدرجة كانت تكتب لها الاعمال الفنية خصيصا وتسند اليها البطولات حتى نهاية الستينات، فهي صاحبة مكانة لم ولن تصل إليها غيرها نظرا لإخلاصها لفنها ورغم انها في شخصيتها الحقيقية تتميز بالطيبة والحب والصدق، إلا أنها برعت في تجسيد دور المتسلطة القاسية والنكدية التي تنشر الفتن بين افراد الأسرة.
قدمت ماري سلسلة من الأفلام تجسد هذه الشخصية وبرعت في دور الحماة ومن بين هذه الاعمال دورها في فيلم “حماتي قنبلة ذرية” و”الحموات الفاتنات” و”حماتي ملاك”.
بعد ذلك قدمت شخصية “العانس” التي فاتها قطار الزواج وأصبحت تتوق إلى زوج ينتشلها من العنوسة وقد كانت تتصابى حيناً وتتدلل حيناً في إطار من الكوميديا وخفة الظل واستطاعت بحضورها الطاغي أن تحول أي دور تجسده مهما كان صغيراً إلى دور بطولة لا يغيب عن ذاكرة المتلقي حتى أصبحت امبراطورة للضحك بلا منافس.
الأصل والميلاد
ولدت ماري حبيب سليم، المعروفة فنيا باسم ماري منيب في 11 فبراير عام 1905 بدمشق وهي من أصول لبنانية وكان والدها يعمل بتجارة القطن، وفي احدى زياراته لمصر للعمل في بورصة القطن خسر كل امواله، وبعد أن طالت غيبته وصلت الأم بصحبة طفلتيها أليس وماري عن طريق البحر إلى الإسكندرية قادمة من اللاذقية، لتفاجئ بخبر وفاة زوجها في طريق عودته الى سورية. فقررت البقاء في مصر، وعاشت في شقة صغيرة استأجرتها في القاهرة لتواجه الظروف الصعبة.
ولأن والد ماري أيام الرخاء كان يدعم الكنيسة ويقدم لها الاموال فقد قدمت الكنيسة لأسرة ماري منيب ثلاثة جنيهات شهريا لكنها انقطعت بعد مدة، ما اضطر الأم إلى العمل خياطة لتدبر أمور حياتها، إلا أن المرض اصابها. وعندما علم الفنان جبران نعوم صاحب الأصول الشامية والمقرب من الاسرة باحوالها الصعبة عرض على الأم الحاق ماري وشقيقتها أليس بفرقة فنية ولكن الأم اعترضت بشدة في البداية على عمل ابنتيها بهذا المجال رغم ضائقتها المالية، إلا أنها رضخت في النهاية بعد أن علمت أنهما سيعملان لدى فرقة نجيب الريحاني لكنه رفض لصغر سنهما ووافق عليها علي الكسار بأجر شهري ستة جنيهات لكل من الشقيقتين.
وقفت ماري في أول ظهور لها على خشبة المسرح لتقدم دور متشردة ترتدي الملابس الرثة وتتسول قوتها ما أصابها بالحزن الشديد وافقدها التركيز، ونسيت الحوار وكاد الكسار يطردها لولا أن ضج المسرح بالضحك بعد أن اعتبر الجمهور إنه موقف مقصود في المسرحية لكنها لم تستمر مع الكسار، فقد تعرفت على صديقتها الفنانة دولت ابيض التي ساعدتها للالتحاق بفرقة امين عطالله وكانت ماري وشقيقتها تقدمان أدوارا قليلة مقابل 20 جنيها شهريا لتعين أسرتها على الحياة وكان هذا بداية حياتها الفنية الحقيقية والشهرة التي حققتها ونهاية حياة الفقر التي كانت تعيشها.
زواجها
عاشت حياة الفقر والحرمان واليتم منذ نعومة أظفارها لهذا تزوجت ماري في البداية من زميلها فوزي منيب، وحدث التعارف عندما سافرت في عام 1918 إلى الشام لتقدم عروضها المسرحية هناك، وكان من بين أعضاء الفرقة وقتها الفنان فوزي منيب ونشأت بينهما قصة حب انتهت بالزواج وحملت اسمه، ليصبح اسمها ماري منيب وقد أثمر زواجهما ولدين وابنة واحدة، لينتهي هذا الزواج بالانفصال بعد ست سنوات فقط، حيث هجرها زوجها وهى شابة صغيرة ليتزوج من الممثلة نرجس شوقي أثناء رحلة فنية اخرى.
وعقب صدمة انفصالها قبلت الزواج عام 1937 من المحامي عبد السلام فهمي زوج شقيقتها التي توفيت وتركت أطفالاً صغاراً لتحمل ماري مسؤوليتهم حتى لا يحرمون من حنان الأم كما عانت هي من حرمان حنان الأب منذ صغرها.
تلاوة القرآن
أشهرت ماري المسيحية الكاثوليكية إسلامها وصدرت وثيقة باعتناقها الاسلام في حضور الشيخ محمود العربي، والشيخ أحمد الجداوي، واختارت لنفسها اسم أمينة عبد السلام نسبة إلى زوجها الثاني عبدالسلام فهمي بعد تأثرها بالتقاليد والطقوس الإسلامية، وتلاوة القرآن الذي كان يتلى كل يوم في منزل أسرة زوجها، وكانت حماتها تشرح لها معاني آيات القرآن الكريم، وحفظت بعضها. وهناك جدل حول توقيت اسلامها فهناك روايات تؤكد أن اسلامها كان قبل زواجها الأول ويستندون في ذلك أن زوجها الأول كان أيضاً مسلما.
بنات الريف
بعد وفاة والدها بدأت مشوارها الفني كراقصة في ملاهي روض الفرج في القاهرة ولم يتعد عمرها الثانية عشرة، وبعدها عملت في المسرح مع فرقة فوزي الجزايرلي حتى مرضت ابنته احسان التي كانت تقوم بشخصية “أم أحمد” على المسرح فقرر الجزايرلي إسناد دورها إلى ماري ونجحت في تقديم الدور. بعدها تركت الفرقة لتنضم إلى فرقة علي الكسار ثم استقرت في الإسكندرية لتعمل في فرقة امين عطا الله، وتلتقي الفنان بشارة واكيم الذي أعجب بأدائها.
انضمت ماري إلى فرقة يوسف وهبي، حيث شاركت في مسرحية “بنات الريف”، لكنها لم تواصل العمل مع هذه الفرقة لأنها لا تحب الأدوار الجادة والتراجيدية التي كانت سمة مسرح رمسيس في تلك الفترة.
كان أول لقاء جمع بين الريحانى والفنانة ماري منيب حين ذهبت إليه وهي صغيرة مع شقيقتها أليس حتى يختبرهما للانضمام لفرقته وكان معهما والدتهما لكنه رفض وقال: “أنا مش هاشغل نسانيس، لو والدتكما هاتشتغل معاكم أنا موافق”.
لكن والدتهما رفضت التمثيل نهائيا وجاءت البداية الفنية الحقيقية في عام 1934 عندما نجحت ماري منيب في الانضمام اخيرا إلى فرقة الريحاني، حيث ابدعت في أدوارها إلى أبعد الحدود لعشقها الكبير للأدوار الكوميدية والرقص والغناء.
الدنيا لما تضحك
وكان وراء انضمام ماري لفرقة الريحاني قصة بدأت عندما كان الريحاني يبحث عن ممثلة تؤدي الأدوار الشعبية في مسرحياته وقابلت ماري الكاتب بديع خيري صديق الريحاني وشريكه في الفرقة، وطلبت منه أن يضمها للفرقة فوافق وكان يعرفها ويعرف زوجها السابق فوزي منيب وذهب بها بديع إلى نجيب الريحاني وعرض عليه الأمر، لكن الريحاني عندما نظر إليها رفض أيضاً للمرة الثانية ، حيث رآها أشبه بربات البيوت وليس الممثلات، نتيجة السنوات التي قضتها في بيتها بعيداً عن الفن. لكن بديع أقنع الريحاني ان يمنحها فرصة للتجربة وهو ما حدث بالفعل، حيث أسند لها الريحاني دوراً في مسرحية “الدنيا لما تضحك” عام 1934 ونجحت ماري في الاختبار وأعجب الريحاني بأدائها، ما جعله يسند إليها دور البطولة في مسرحيته التالية “الشايب لما يدلع” ومنذ هذا التاريخ أصبحت ماري منيب بطلة فرقة الريحاني وهي الفرقة التي لم تتركها.
ووقفت ماري بجوار بديع خيري بعد وفاة الريحاني حتى لا تنهار الفرقة. وقدمت مع بديع خيري مسرحية “إلا خمسة” على الرغم من خلافها معه وابنه الفنان عادل لأنها كانت تشعر أن فرقة الريحاني هي عالمها المسرحي والبيت الذي تربت وعاشت فيه كل سنوات مجدها وازدهارها الفني على مدى 35 عاماً.
رغم افتقارها التعليم فلم تكن تجيد القراءة والكتابة إلا أنها استطاعت بذكائها وموهبتها الفطرية وأدائها العفوي أن تجعل الجميع يحبونها ويقدرونها وقدمت أعمالا خالدة ناجحة على خشبة المسرح والسينما.
ففي المسرح قدمت أبرز الأعمال المسرحية ومن أهمها “العشرة الطيبة” و”الستات ما يعرفوش يكذبوا” و”30 يوم في السجن”، و”عريس في اجازة”، و”استني بختك”، و”إلا خمسة”، و”أم رتيبة”، و”سلفني حماتك”، و”لو كنت حليوة”، و”ملكة الأغراء”، و”حماتي بوليس دولي” ، و “ياما كان في نفسي” ، و”أحب حماتي”.
أما في السينما فقد كانت تشارك في أكثر من تسعة أفلام دفعة واحدة سنويا فقدمت اكثر من مئة فيلم وقد بدأت مشوارها السينمائي عام 1934 بفيلم “ابن الشعب” ومن بعده عشرات الأفلام الناجحة من أبرزها : “أول الشهر”،”البني آدم” ،”ملكة الجمال”،”بياعة اليانصيب”،”النفخة الكذابة”،”البريمو”،”حمامة السلام” ،”المليونيرة الصغيرة”،”منديل الحلو”،”ليلة الحنة”،”آدم وحواء”،”شبك حبيبي” ،”حماتي قنبلة ذرية”،”خد الجميل”،”بنت الشاطئ”،”الاسطى حسن”،”بيت الطاعة”،”مراتي نمرة 2″،”العزيمة”،”سي عمر” ،”الى الابد” ، “ليلي بنت الفقراء” ،” لعبة الست” مع نجيب الريحاني وتحية كاريوكا و”بابا أمين” من إخراج يوسف شاهين، “عفريته إسماعيل ياسين”،”الحموات الفاتنات”،”المرأة كل شيء” ،”حميدو” ،”المحتال”،”علشان عيونك”،”الحياة حلوة”،”اوعى تفكر”،”كدبة ابريل”، “مملكة النساء”،”عرائس في المزاد” ،”الكيلو 99″ ،”سامحني” ،”هذا هو الحب”،”احلام البنات” و”أم رتيبة”.
شهدت الفترة بين عام 1960 وحتى وفاتها عام 1969 انخفاضا في عدد أفلامها بسبب معاناتها من الامراض، فلم تقدم سوى 12 فيلماً فقط خلال تلك الفترة وكان آخر ظهور لها على شاشة السينما عام 1969 في فيلم “لصوص لكن ظرفاء” مع عادل إمام وأحمد مظهر ويوسف فخرالدين.
رحيل مفاجئ
جاءت نهاية حياة ماري منيب مفاجئة ، فقد تعرضت للإغماء ليلة رحيلها وهي تؤدي دورها على خشبة المسرح في مسرحية ” خلف الحبايب” مع فرقة الريحاني لكنها تماسكت وأكملت دورها حتى انتهاء العرض واسدل الستار بعدها استقلت سيارة الأجرة التي تنتظرها كل ليلة أمام باب المسرح لكي تعود إلى فيلتها في حي شبرا وكانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً ورغم ذلك كانت في حالة نفسية وصحية جيدة وتناولت العشاء في منزلها كعادتها وداعبت أفراد أسرتها خاصة ابنها بديع ودخلت إلى غرفتها للنوم لكن لم تمض سوى ساعتين حتى توقف قلبها في فجر يوم 21 من يناير عام 1969 .
أحفادها اعتبروها مثلا أعلى في مجال الفن ومنهم المطرب الراحل عامر منيب والراقصة عزة منيب بولاية فيرجينيا في الولايات المتحدة، وفؤاد منيب، الذي اشتهر بتقديم البرنامج الفني “مع الناس” في فترة الستينات، وفنان التصوير الفوتوغرافي عمرو منيب.









