كتاب الحقيقة

“ثورة العشائر”

عبد المنعم الاعسم

يسألنا، هنا في لندن، صحفيون وكتاب عرب واجانب عن معلوماتنا، ورأينا، بصدد العشائر العراقية التي ثارت فجأة ضد نظام الحكم في بغداد، وانضمت الى صفوف تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) او تحالفت معها، وما هي اعدادها ومطالبها، وكيف تسنى لها تحقيق هذه النتائج على الارض، ثم، ماهي طبيعة تشكيل العشيرة العراقية وهياكلها ومدى استقلالها. 
لدى السائلين نتف معطيات من نشرات اخبار وتقارير من مطبخ فضائية الجزيرة، والى حد ما ايضا، من اخبار “العربية” وعلى نحو اقل (بدأ يتراجع) من البي بي سي العربية، ومن الطبيعي ان لا يملك احدٌ نفي انخراط رجال عشائر من غرب العراق  ومن وسطه في الحركة المسلحة المناهضة للاحتلال وعملية التغيير منذ العام 2003 ولا ان ينفي وجود حواضن عشائرية للجماعات المسلحة في غرب العراق بتاثير الاجراءات (الاجتثاث مثلا) التي اتخذت ضد جنرالات وعسكريي وكبار موظفي النظام السابق من منتسبي هذه العشائر. 
الواقع يؤكد ان العشيرة العراقية تشظت مع تصاعد الصراع السياسي(والطائفي)  على السلطة الى وحدات متناحرة طبقا لولاء شيوخها ووجهائها للزعامات والاحزاب السياسية، ولم تشهد هذه السنوات فعالية موحدة لعشيرة من العشائر باستثناء لقاءات بين فروعها وشيوخها بالمناسبات الدينية او خلال المواساة للضحايا او في حال ادارة الافراح المعروفة، وقد تراجعت هذه المظاهر شيئا فشيئا واقتصرت على “القرابة” فيما شهدت الاعوام الاخيرة مواجهات وانقسامات في داخل غالبية العشائر، لاسباب تتصل بالولاءات السياسية والامتيازات. 
ولم يغير من واقع الحال هذا للعشائر ما تابعناه من مؤتمرات عديدة ودورية باسم العشائر توالى على تنظيمها ورعايتها فريق رئيس الوزراء نوري المالكي، ومنافسوه في “التحالف الوطني” لأغراض التعبئة للانتخابات واستقطاب الاصوات وما عُرف عن اعتصامات العشائر في الانبار والموصل وكركوك لتسويق مشروع الاحزاب والزعامات الطائفية، وما صرفت من اموال ومباذخ لتحويل هذه الفعاليات الى قوى تصويتية للسياسيين، الامر الذي ادى الى الاحتراب داخل العشائر نفسها غذته اطماع السياسيين وانانيتهم، من جهة، والدعم المالي من دول اقليمية نافذة، من جهة اخرى.
اما ثورة العشائر التي يجري الحديث عنها الآن فلا تعدو عن تجهيز دعائي فقير المعنى ليغطي عصيانا مسلحا ارهابيا يقوده تنظيم جهادي وتنخرط فيه فلول من بقايا النظام السابق.
سألني مراسل اجنبي: ماذا تريد العشائر؟ قلت: على العموم تريد العشائر ان تتحلل من قيود الدولة وان تتحول كل عشيرة دولة على ارضها.. هذا منذ تاسيس الدولة العراقية. الآن، يصعب ان اعرف ما هي مطالب العشائر، لكني اعرف ان بعض مكونات العشائر الصغيرة انضمت الى التنظيمات الدينية “المجاهدة” الاجرامية بهدف الحصول على امتيازات الحكم في مناطقها، والقبائل الاخرى (والادق مشايخها) وزعت ولاءها على السياسيين الفاسدين، والاخيرين باعوا ذلك الولاء في سوق الملابس المستعملة. 
 
 “علمني الدفن أن أمسح الطين عن أصدقائي”. 
 مظفر النواب
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان