اراء وأفكار

نقابة الصحفيين واتحاد الأدباء

عباس الكعبي 

 

 جاء في كتاب افواه الزمن للكاتب ادواردو غاليانو، أن البرتو بياغرا كان شرها في قراءاته للجرائد، ففي موعد الفطور، تقرمش الاخبار بين يديه وهي خارجة لتوها من الفرن، وقد اقسم في صباح احد الايام: سأقرأ الجريدة يوما وانا امتطي فيلا، ساعدته زوجته روسيتا على تنفيذ قسمه، حيث جمعا نقودا الى ان تمكنا من السفر الى الهند، وحقق البرتو رغبته، لم يتمكن من تناول الفطور على ظهر الفيل، ولكنه استطاع ان يتصفح احدى صحف بومباي، دون ان يقع من فوق، ابنته هيلينا المهووسة بالجريدة ايضا، ففنجان القهوة الاول لارائحة له، ولاطعم ولامعنى اذا هو لم يأت برفقة الجريدة، فاذا لم تكن الجريدة حاضرة، تظهر على الفور اعراض الانقطاع: ارتعاش ، دوار، تلعثم، وهيلينا توصي بوصيتها بعدم حمل الازهار الى قبرها، وتطالب: احملوا اليّ الجريدة.

من منا لايقرأ الجريدة مع الشاي بمتعة كبيرة، ومهما كانت اخبارها مزعجة او مفرحة، ان قارىء الجريدة يريد يطلع على احوال الوطن، الوطن المنكوب بالقتلة، او الخونة، او المفسدين، ولافرق كبير بين هذا وذاك.

 هكذا بدأت الصحافة مشروعها التنويري فارتبطت في العراق بنقابة تحافظ على حقوق الصحفيين منذ بداية نشوئها، وامر النقابات معروف لدى الجميع، فالعمل النقابي ارتبط بمشروع الحركات اليسارية المعارضة وابتدأ بنقابات العمال، ومن ثم بدأ اصحاب المهن بانشاء نقاباتهم كل بمهنته. وبقي العمل النقابي شعلة من فكر وهاج استطاع من خلال نضالات الرجال ،واعطى فيما اعطى الكثير من الشهداء لتحقيق انسانية الفرد، والسعي الحثيث لتطوير مايصبو اليه العامل او الصحفي او المزارع، حتى وصل الامر الى المهندس والطبيب والصيدلي، فكان العراق بلد النقابات وهو تصرف حضاري وملفت للنظر، وكانت نقابة الصحفيين احدى هذه النقابات التي دافعت وناضلت وحمت الصحفي وحقوقه، وهي سباقة في اعمال كثيرة، انا لا انتمي الى نقابة الصحفيين مع كثرة ماعملت وكتبت في الصحف، وهذا يمنحني البراءة من تهم التزلف او البحث عن الفائدة، وكذلك اتحدث عن اتحاد الادباء ، فهو يمثل فيما يمثل نقابة للادباء تعنى بشؤونهم وتتفقد حاجاتهم وتداعي بحقوقهم، وانا اتعجب حين ارى البعض يتكلم عن هاتين المؤسستين بحقد وكأنه موتور منهما، في حين انهما يمثلان فسحة من الامل كبيرة للكاتب والمبدع ، وربما لا ابالغ حين اقول: لم يعد في العراق شيء يستحق ان يقال عنه انه منظمة مدنية تمثل الديمقراطية تمثيلا حقيقيا سوى نقابة الصحفيين واتحاد الادباء، كونهما يأتيان بإعضائهما عن طريق الانتخابات الحرة منذ نشوئها وحتى الان، وهما كانا يمارسان ديمقراطيتها حتى في زمن الدكتاتورية لكن بشكل آخر، ربما كان يخضع لتوصيات الحكومة آنذاك، وفي خضم حريتها كانت الصحافة تعاني من المضايقات الحكومية، لكن خلال تجربة السنوات الماضية اثبتت نقابة الصحفيين العراقيين انها نقابة مهنية تتمتع بالشفافية ، ودرجت دائما على ان تكون سباقة في الكثير من الاجراءات السريعة التي تستدعي حضورها، فكانت مع محمد بديوي لحظة بلحظة ومع احمد المظفر، وحضرت واعطت وأبّنت، وهي تبذل الجهد في ان تتابع جميع مايطرأ على الساحة وهي لاتقصر في الدفاع عن حقوق الصحفيين سواء من انتمى لها او من لم ينتم اليها، اضف الى ذلك انها لم تقيد حريات الصحفيين باسم الانتماء اليها، وتركت لهم حرية الكتابة، خلافا للازمان البعيدة التي ربما كانت النقابة في بعض الاحيان سيفا مسلطا على رقاب الصحفيين والكتاب، وهذا شاعرنا الكرخي يتذمر من الصحافة في وقته حيث صودرت حقوقه واغلقت جريدته عدة مرات فقال: ( اذى اتحملت وكسافهْ…. ……..وبلوه من كار الصحافهْ .. براسي صوت وعندي خطبهْ………. ومايخلوني حسافهْ).

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان