علي علي
ثلاثة عقود ونصف.. هي الحقبة التي حكم فيها حزب البعث العراق بشكل مباشر، وكنتيجة حتمية تُلقي مدة طويلة كهذه بظلالها على المجتمع بصورتيها الحسنة والسيئة، كما أن أمدها كافٍ لتنشئة جيلين يترعرعان خلالها على النهج المرسوم والسياسة المتبعة المفروضة من قبل الحاكم ونظامه وكذلك الحزب وأهدافه. ولما كان النظام حينها يتبع سياسة قمعية دكتاتورية عنصرية، علاوة على إقحامه شعبه حربا ضروسا غير مبررة، ثم قيامه بغزو دولة جارة، وماأفرزه فعله الأخير من تسليم البلاد الى أحكام حصار دولي، كل هذه المعطيات لايمكن ان تمر على أفراد المجتمع مرور الكرام، و لايعقل أن يتصف الجيلان اللذان خاضا مصاعب هذه الحقبة، بمواصفات المواطن السويسري مثلا.. او السويدي.. او الياباني. وما زاد الطين بلة.. ماصار اليه البلد من مصير بعد زوال ذاك النظام وشخوصه وحزبه. فكأن المارد ترك بعده حين هلك بعضا من أقزامه وأزلامه، لكي لاينقطع نسله، وكان له هذا، إذ لايمكن إنكار مدى فلاحهم ونجاحهم في إحياء نهجه وسيرته الى حد ما، على الرغم من مرور أكثر من عقد على سقوطه، وماكان هذا ليتم لولا المتطبعين والمؤمنين تماما بأفكاره.
لكن هناك أمرا واقعا علينا جميعا الإذعان له، هو أن ليس كل من اندرج تحت سلم الوظيفة الحكومية إبان حكم النظام السابق وتدرج فيه، محسوبا على الأقزام والأزلام والورثة والأبناء البارين لرأس النظام او لحزبه، إذ أن كثيرا من الوظائف لاتعدو كونها مصدر رزق للموظف، تعينه على ديمومة حياته وقضاء مستلزمات أسرته، من مأكل وملبس ومسكن، وضروريات إتمام رسالته في الأبوة والإعالة، ولطالما كان الموظف كما نقول: (يحسب يوم ويشطب يوم) ولايمكن أخذه بجريرة موظف آخر اتخذه الحاكم الجائر مفكرا ينور له مااسود من أفكار وآراء، او مستشارا يدلي بمشورة سوء ليحلل له ماحرم الله والقانون والعرف والأخلاق والإنسانية، او جلادا انتقى بإرادته أن يكون الذراع الضاربة واليد المنفذة لبطش الحاكم، او قاضيا يخون قسمه وشرفه المهني، فيبرئ المجرم ويدين البريء (لعيون القائد)، او ضابطا نذر نفسه لتنفيذ أوامر سيده في قمع أبناء البلد، او إعدام نفر من المواطنين لمجرد إشارة من القائد الضرورة. كل هؤلاء كانوا موظفين لكن..! شتان بين من كان ولاؤه للبلد وأداء واجبه الوظيفي يصب في مصلحته، وبين من كان يمتهن وظيفة إرضاء القائد وميوله العدائية، وتطبيق أوامره الشوفينية التي تزهق بسببها أرواح أبرياء، أو تضيع حقوق مواطنين.
قبل يومين.. أعلن رئيس الوزراء عفوا عن الضباط السابقين في الجيش العراقي، من الذين لم تتلطخ أيديهم بدماء العراقيين، هو قرار ما كان صائبا لو صدر قبل حين، إلا أنه اليوم قرار سيسهم في حل كثير من المشاكل الداخلية التي انزلق اليها البلد، لاسيما في الجانب العسكري والأمني. وهو أمر يبشر بخير.. إلا أنه ينذر بشر وسوء عاقبة، ان لم تتخذ الحكومة بحق المستفيدين من القرار أٌقصى الاحترازات الأمنية والاحتياطات الاستخباراتية، بشأن من سيتسنم منصبا قياديا او مسؤولية أولية على ضوء معطيات هذا العفو، وعليها -الحكومة- استحداث “غربال” بمواصفات عالية الدقة، لضمان عدم نفاذ عناصر تعيدنا الى الماضي.. بمساعدة شخوص متربصين من الحاضر.. يعملون على تغيير بوصلة المستقبل لبعث جديد وقائد جديد، بلباسات ووجوه ومسميات جديدة.
هو قرار سليم ولكن الحذر -كل الحذر- واجب! ويقول مثلنا الشعبي: (أمِّن بيتك ولاتخوِّن صاحبك).





