كتاب الحقيقة

هوس الزعامة.. قف

عبد المنعم الاعسم

 
لا نكتشف شيئا مثيرا إذا ما قلنا بان المشكلة المستعصية التي يواجهها فرقاء ازمة اختيار رئيس الوزراء تتمثل في هوس الزعامة والتزعم، وليس في الامر سر بان للمصالح الشخصية، ومتفرعات وعناوين هذه المصالح، رائحة غير طيبة في هذا الهوس، وعلى سطح هذه الحقيقة كلام كثير عن شروط الزعامة والتزعم، كمفصل من مفاصل علم السياسة الذي يؤكد على الاهلية الذاتية والتفويض الشعبي. 
تجارب الزعامات في التاريخ غنية بالمعطيات والوقائع، الهند مثلا، كانت تشبه حالنا الآن من وجوه كثيرة، سوى ان هناك زعيما ملهما يأكل من معزة ترافقه اينما حل، ولم يكن ليحتاج الى حمايات وسيارات مصفحة تفتح له الطريق. ولم يكن يحب التصفيق. في خطاب لغاندي عثر عليه مؤخرا في مكتبة بالولايات المتحدة القاه قبل اسابيع من اغتياله، عبر عن امتعاضه من تصفيق الجمهور، قائلاً: “أرجوكم! أرجوكم! أرجوكم! سيؤثر ذلك سلباً في خطابي وفي فهمكم لما أقول. أريد أن أمسَّ قلوبكم، لا أريد أن أحظى بتصفيقكم”. 
كان على اراضي الهند اقوى دولة استعمارية عالمية، وكان السكان -كما هو الحال عندنا- مشتتين في التعامل مع جيوش هذه الدولة، وكان غاندي يعرف جيدا لعبة المقاومة. المقاومة الاكثر جدوى وجدارة ونزاهة وحماية لحياة المدنيين، غير ان قوى العنف والشعارات والرطانات لم تكن تتحمل رسالة غاندي. آنذاك فاجأه شاب من الجماعات “المقاتلة” المتطرفة بالهتاف “ايها الخائن” فرد عليه الزعيم قائلاً: “إنه خطأي أنا، لأنني لم أعلمك الحب” غير ان الرصاصات لم تترك له ان يكمل خطابه بوجوب حماية المحبة بين ابناء الهند، من كل الاجناس والديانات، فلفظ انفاسه وهو يردد انشودته الشهيرة: “هذه دنيا غريبة فإلى متى ستلعبون لعبة الحياة”.
ثم، كيف يخاطب الزعيم جمهوره عندما يتقاتل الجمهور على شعارات اثنية وطائفية؟ ففي خطابه الاخير ذاك كان غاندي، الهندي، يذكـّر ابناء بلاده بانتمائهم الى دائرة اوسع، قال: “سألني صديقي أمس عما إذا كنت أؤمن بعالم موحد، طبعاً أؤمن، وأنّى لي ألا أفعل؟ في عصر صحوة أفقر الفقراء”. وخاطب انسان ذلك العالم بالقول “إذا أردت أن ترى الهند على حقيقتها، إبحث عنها في كوخ للبانجي، في منزل متواضع يسكنه أفراد من طبقة البانجي. ثمة 700 ألف من تلك القرى. لاتحتوي تلك القرى السبعمائة ألف سبعين مليون نسمة، بل تضم نحو 400 مليون”.
حكمة غاندي بسيطة، بل شديدة البساطة: ان المصائر قد تنكفئ الى دهليز من الثعابين لا نهاية له، وقد تستيقظ في نقطة تاريخية، وان الزعيم الملهم يمكن ان يقف في ذلك المفترق ليصحح المعادلة. الزعيم الذي لا يستغني عن معزته اينما حل، ولايحب التصفيق. 
 
          وإذا أصيب القوم في أخلاقهم
              فأقمْ عليهمْ مأتما وعويلا
احمد شوقي
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان