احمد الشيخ ماجد
هل صادفتم في حياتكم أحدٍا يتمنى ان يعمل سائقاً لتكسي!؟. ذلك العمل المتعب إلى حدٍ كبير، فعلاوة على وجوده في الشارع تحت حرارة الشمس، “الازدحامات” الكثيفة الّتي يتميّز بها عراق الديمقراطيّة. ولا تقف الزحامات في منطقةٍ محدّدة، ففي كلّ المناطق لابد من وجود “سيطرة” يصل فيها “الازدحام” إلى أماكنٍ بعيدة، وذلك “ليشلعوا” قلب المواطن “الخلصان” بفعل الأزمات، والانكسارات المتتالية، الّتي تأبى الانقطاع. أو يكون لها حَل لتهدأ نفسيّة المواطن، ومزاجه المنكسر دائماً..
لا أدري لماذا اتمنى، ومن كل قلبي، أن أعمل سائقاً “لتكسي” . هل في ذلك فضول لمعرفة أهواء الناس، وأنماط تعاملهم، ومزاجهم اليومي؟. فأكثر من يلتقي الناس، ويعرف اهواءهم صاحب هذه المهنة، ويُدار فيما بينهُ، وبين الآخر نقاشات كثيرة، وآراء تنتهي أحياناً بالصياح، “وزعل” الراكب، لأن رأي السائق ينافي ما يقول، ودائما تجد السائق يعترض على رأي “الراكب” بكل هدوء، وبكلمةٍ واحدة : “گول غيرها خالي، انتَ غلطان!”.
في الكثير من المواقف يرى السائق نفسه، بأنهُ “محلّل سياسي” من الطراز الرفيع، وتجد أمنياته، لو أنّه أستطاع أن يمسك زمام رئاسة الوزراء، لأنهى كل الأزمات، وانتقل البلد بهِ إلى زرق ورق!. وأكثر حلولهم تقتصر على العنف، وإقصاء الآخر الذي تتوقف أزمة ما، عليه. أتذكّر ان سائقا كنتُ قد “ركبت” معه من مكان، وقضى الطريق يتكلم لي، بحلول غريبة جداً عن الأزمة العراقيّة، وقال :
“والله لو اني رئيس وزراء چا جبت فلان عدمته، ورحت عالكتلة الفلانية عدمتهم، وبطريقي اكتل شكو واحد ينتمي للحزب الفلاني!”
قلت له : “چا شخليت؟” ردّ علي : “أخذها مني خالي، ماكو غير هذا الحل وروح امي!” . ربما تكمن أمنيتي في شعوري الدائم, على أنهم سعداء إلى حدٍ ما، فأكثرهم، سيّما من الشباب، يتمتعون باللامبالاة تجاه الكثير من القضايا التي “تحرگ حرگ.” كل أمنياتهم تقتصر على توفير المصروف اليومي، والحصول على أغنية جديدة فيها من “الدگ” ما يرقص الثكلى!. قبل أيام رأيتُ سائقاً كان يستمع إلى اغنية امتلأ الشارع بصخبها، وضجيجها العاليين، مرق من أمامه سائق يبدو انهم أصدقاء مهنة، ألقى الأخير عليه تحية من خلال “الهورن” بإيقاع منظم، فأخرج الآخر رأسه من سيارته، ونادى بصوت عالٍ : “اصيـل!” ومع صوته، قام بحركة كاد شاربه الكثيف ان يطير معها!.
الحاصل, انّني كلّما رأيت احدهم، اجدني اردّد لا شعورياً : اتمنى ان أكون مثلك.. اتمنى يا أخي!” . لا اعرف ما هذه الرغبة التي ربما ولدت للهروب من الواقع الزاخر بآلالام، وتعزية النفس، بأنّ هناك من يشعر بالسعادة في هذا البلد، أو أنهم موجودون حقاً! على الرغم, ان معظم أصحاب “التكسيّات” يعيشون معاناة، ويشعرون بآلام قد لا نراها نحن.
لكنهم ربما يكونون أقوى منّا، فهم “يمرّون” بأقوى الانفجارات، وتراهم لا يكترثون لنيرانها، ويرجعون إلى “مسجّلاتهم” بعد دقائق، يسمعون أعلى “الخرط!”.









