علي محمد الشلال
خرج غول الارهاب من مكمنه ونهب شعب العراق وحضارته وتراثه وثقافته وترك آثاره الوحشية التي تبعث على الحزن الفاجع للخسائر التي لاتقتصر على ارواح الابرياء فحسب بل تجاوز ذلك الى نتائج اجتماعية واقتصادية وسياسية وخيمة.
ويبدو انه كلما شعر الشعب العراقي بالاطمئنان واخذ ينعم بالامان ولونسبيا ويسعى الى المضي في طريق التنمية ومواجهة مشكلات المجتمع يطل غول الارهاب منبثقا من اعمال الظلمة ليضرب ضربته باحتلال جزء من اراضينا العزيزة والتي يريد هذا الاحتلال تأكيد قدرته على عرقلة المسار والقضاء على امكانات الامان والامن والازدهار والتقدم والرقي وذلك كله تمهيدا لتدمير الدولة التي يريد ان يبني الارهاب على انقاضها ((دولة دينية)) تقوم على التعصب والقتل والذبح والتخلف تحيل الناس الى أبواق والمواطنين الى ادوات للبطش بالمخالفين من انصار الدولة القائمة بلوازمها التي تقرن التعددية السياسية بالعدل الاجتماعي والديمقراطية بامكانات التقدم الاقتصادي والعلمي وقد تسابق المحللون والكتاب والمسؤولون الى تحليل كارثة الارهاب باحتلال الموصل التي لايزال الارهاب يسعى الى تدميرها بوصفها مدينة الانبياء بعض هذه التحاليل معقولة وبعضها يدخل في باب العبث او الهزل ومن المعقول ان تربط النشاط الارهابي باسباب محلية واقليمية ودولية ومن المعقول ايضا ان نتحدث عن ثقافة التعصب مقترنة بالتخلف الفكري والجمود الاجتماعي وهي الثقافة التي لاتزال تمثل نبعا يستمد منه الارهاب عناصر القوة وامكانات البقاء ومن المهم جدا ان نتحدث عن خلايا ارهابية ذات طبيعة سرطانية تظل نائمة ساكنة .. تحمل الدمار في حضورها الذي يمكن ان يتحول في اي لحظة او عند اية فرصة متاحة الى قنبلة متفجرة تطيح بالابرياء وتنشر الخراب والدمار. ان الارهاب سيبقى يكمن في الظلمات ـ ببعض المناطق من العراق ــ التي تحتوي او يحتمي بها الى ان يجد الفرصة المناسبة فيخرج من مكمنه ليضرب ضربته الوحشية مرة بعد اخرى صانعا الكارثة بعد الكارثة .
ولايمكن ان نتصور ان الضربات الارهابية يمكن ان تنتهي في زمن قصير او يمكن لاجهزة الامن ان تحمينا تماما منها خصوصا بعد ان اصبحنا عرضة لخطرها ان هذه الضربات سوف تبقى مادمنا لم ننته من تجفيف منابع الارهاب ولن يحدث ذلك الابوجود استراتيجية جذرية على المستويات المحلية والاقليمية والدولية .واذا كانت المواجهة الدولية تعني تغيير سياسات الدول التي ظلت ملجأ سياسيا لجماعات التطرف الديني وهي اصل الارهاب ووقوده المباشر فانها تعني -في الوقت نفسه- فرض عقوبات على الدول التي لاتزال ترعى الجماعات الارهابية لاسباب سياسية ضيقة الافق قصيرة النظر غبية المقصد اما المواجهه الاقليمية فتبدأ من الاعتماد المتبادل بين الدول الاقليمية ليس على المستوى الامني فحسب وانما على مستوى المواجهة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية فلا تزال العادات الاجتماعية المتحجرة والثقافة الجامدة عاملين من العوامل التي تشيع التعصب الذي يتحول الى بذور الارهاب .
وتبدأ المواجهة المحلية باعادة النظر بكل العوامل والمجالات التي تتحول او يتحول الخلل فيها الى عوامل تستنبت الارهاب كما تستنبت فيروسات الامراض وعلى هذا يتطلب الامر وضع استراتيجية شاملة لتجفيف منابع الارهاب وكذلك تجمع هذه الخطة المؤسسات الثقافية والدينية للمساهمة في خلق مجتمع ذي معرفة جيدة واشاعة ثقافة الاستناره وقيم التقدم .
واذا كانت السياسة هي الموجه الاخر من الاقتصاد في تمكين جرثومة التطرف وزيادة معدلات العنف والبيئات التي يسود فيها الفقر والجهل فان الاصلاح الجذري ــ السياسي والاقتصادي ــ هو المدخل المنطقي لاي اصلاح جذري او تطوير فعلي في ابنية الثقافة السائدة التي لاتزال تنتشر فيها جراثيم التصديق والاذعان والطاعة العمياء والاجماع الذي لايزال يرى في الخروج عن الجماعه كفرا والحادا .ولابد من التنويه ان استمرار الضغط وضرب الارهابيين في كل مكان من بلدنا الغالي بدون كلل وملل وتأمين كل اسباب نجاح مكافحة هؤلاء السفلة ومطاردتهم في اي بقعة من ارضنا وطردهم خارج حدودنا وإلا فان الارهاب يظل باقيا يطل علينا بافعاله المدمرة التي سوف تظل باقية الى ان نؤخذ الامر بجدية وشمول فاعل وجذرية التي لاتعرف انصاف الحلول . وبالوقت نفسه نرى ان مكافحة الارهاب لم تتم بالتقليل من خطورته كما انها لم تتم باعلان الحرب على المناطق الموجودة فيه لكنها تتطلب الاندفاع خلف الارهابيين والتفتيش عن خلاياهم بجهد استخباري متميز اينما كانوا وتتطلب كذلك بحثا موضوعيا قد يتضمن نقدا للذات واصلاحا لكثير من جوانب الخلل.





