كتاب الحقيقة

الولادة قبل المخاض

علي علي

 
  منذ ظهيرة أمس الأول، تعالت في الأوساط السياسية أصداء الاتهامات، بعد أن قرر برلماننا المنتخب تأجيل جلسته الثانية التي كان من المقرر ان تعقد يوم أمس، وإرجاءها الى أكثر من شهر، وهي مدة تصل في التسويف حد الجموح، لاسيما والعراق ينتظر من لدن البرلمان الجديد قرارت سريعة، وحلولا آنية وفورية للمصائب التي انهالت عليه من جهات عدة. وفي الوقت الذي ينشغل فيه السياسيون بكيل الاتهامات، وانتقاء الشماعات لتعليق أسباب الإخفاقات والتلكؤات التي تنخر جسد المجالس الثلاث للبلاد، يستمر أعداء العراق من الخارج والداخل بحياكة المؤامرات وغزل المكائد، كل من زاوية تمكنه من كشف نقاط الخلل في مفاصل الدولة، ومكامن الضعف في أجهزتها، كي يتسنى لهم الإجهاز على السليم منها والقوي الذي لم تصله يد الخراب والدمار. ومن جملة هذه المكائد دس عناصر من قوة ماتسمى بـ “داعش” في عمق المدن العراقية التي لم تمتد اليها أذرع داعش الأخطبوطية، وأولها العاصمة بغداد، ومحاولة تثبيتها في عقر دارنا كـ “خلايا نائمة” تستنهضها متى ماشاءت ومتى ماحانت لها الفرص. وهو أمر غاية في الخطورة، إذ هي خطة سبق أن نفذها أسياد “داعش” في الموصل، بخيانة من محافظها النجيفي ونفر من حماياته، وآخرين من الضباط والقادة، وكذلك بمساندة ومساعدة (كاكه مسعود) بفتحه الثغرات لمن هبّ من “داعش” ومن دبّ من الخونة، وإيوائه إياهم على أرض العراق في محافظاته الشمالية. 
  وبعودة الى برلماننا.. فإن هناك رائحة غريبة تُشم في أجوائه قبل بدء الشواء، فيها شبه كبير من رائحة التواطؤات والالتفافات والانحيازات، والاتفاقات المبطنة، ذاك أن قرار تأجيل الجلسة ولد قبل يوم من مخاضها، وهي حالة فريدة تعد باكورة ميزات مجلس نوابنا الجديد، تضاف الى أشياء كثيرة تميز بها بدورتيه السابقتين، والتي على مايبدو أن الدورة الثالثة سترث كل التركات السابقة سواء أكانت إيجابية -وهي شحيحة جدا- أم كانت سلبية -وهي كثيرة-! وكما قال شاعر:
 
     كنت مثل الكتاب أخفاه طي        فاسـتدلوا عليه بالعنـوان
 
أو كما نقول في مثلنا الشعبي: (الكتاب يبين من عنوانه) فإن دورة مجلسنا الثالثة تنبئ بأنها لن تكون بأفضل من السابقتين حتما، وكما كان البرلمان السابق يُنعَت بـ “مجلس رؤساء الكتل” بسبب سيطرة رؤساء الكتل على سير جلسات عمله، كذلك البرلمان الجديد لن يكون إلا نسخة طبق الأصل من السابق. ولا أستبعد أن يكون لجدول أعمال جلساته برنامج جديد أو سياق غير مسبوق في العرض والطرح والأولويات، فقد تمرر على رؤساء الكتل فقرات الجدول قبل موعد الجلسات لإقرار ما يقدم منها ومايؤخر، وما يؤجَل منها وما يُلغى. 
   إن ما حصل بشأن تأجيل الجلسة الثانية مخالف لكل الأعراف الإنسانية والاجتماعية والمهنية، علاوة على مخالفته الدستور، كما أن الجلسة الأولى وماحدث فيها كان مخالفا للدستور أيضا، إذ ورد في المادة (55) منه مانصه:
“ينتخب مجلس النواب في أول جلسة له رئيساً، ثم نائباً أول ونائباً ثانياً، بالاغلبية المطلقة لعدد اعضاء المجلس، بالانتخاب السري المباشر”. 
وهذا لم يحصل وكانت النية في تأخيره مبيتة، لأسباب لم تعد خافية على أحد.. وإن ظن بعضهم أنها خافية.
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان