علي علي
بنظرة سريعة على ماقاله رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني في آخر صيحة من صيحات التصريحات والخطابات، نرى قمة الإبداع والإمكانية العالية في كيفية التنقل السريع بالرأي، والمراوغة بالجمل والعبارات بشكل فهلوي حذلقي، والمناورة الخاطفة في استنتاجات قد تصلح اللحظة ولاتصلح العمر كله. فعلى الرغم من أن كاكه مسعود عراقي كردي، إلا أن انتقاءه مفردات رسالته تنم عن تفقه شديد باللغتين العربية والكردية، ويدرك تمام الإدراك مايقابل الكلمة الكردية باللغة العربية، واظن أن الترجمان قد عانى وعاضل حتى عثر على مايقابل المفردات باللغتين، بغية تطابق ماأراد مسعود الإشارة اليه في رسالته. إذ أنه استخدم من المفردات ما لايفقه بها إلا الضالعون في اللغة العربية بمجال علم البديع، حيث سخر فنون التورية والجناس والطباق وماشاء من المحسنات اللفظية، ليجعلها أداته في إيصال مايريد قوله -كما يشتهي-. كما نلاحظ الدقة في اختيار التواريخ القريبة منها والبعيدة على حد سواء والربط بينهما “زمكانيا”. والشهادة لله فإن الرجل بارع أيما براعة وحاذق أيما حذق، ولكن..! ماكانت براعته إلا في تحوير الحقائق بخطين متوازيين بشكل تصعب فيه التفرقة بين الـ (أصلي) و (المحور)، وكذلك ماكان حاذقا إلا في إسباغ الشفافية على ضبابيات ما ينطقه، واستدراك أسماع المتلقي بوافر من الأدلة -وإن كانت وهمية- ليتجنب الوقوع في فخ التكذيب والاستهجان لما يصرح به.
لقد باحت رسالة كاكه مسعود أمس بمشاعر عديدة، منها الخوف ومنها التهور.. يقابلها التوجس والحذر، وكانت بين السطور إرهاصات ومحاولات لرمي حجارة في الليل الحالك الذي يمر بها العراق، كما تضمنت السطور تهربات -بين سطر وسطر- تفاديا لوقوفه في قفص الاتهام، حيث يلجأ الى مصطلحات توحي بأنه يحمل روحا وطنية، ويحلم بحياة مجتمع طوبائي، أولها ماجاء بعنوان الرسالة الذي كان تحت مسمى؛ (رسالة مفتوحة الى الشعب العراقي وقواه الوطنية). أما مفردات؛ (الوطن، الشعب الواحد، الأخوة العربية الكردية، العراق بأسره، البيئة الوطنية المشتركة، الكفاح المشترك، الانخراط في العملية السياسية، عراق ديمقراطي اتحادي تداولي) فقد كان لها قصب السبق في الحشو بين السطور، لتكون الصورة السائدة لخطابه من منطلق حب الوطن والمحافظة على وحدة البلاد.
ولكن هذا كله لم يمنع وقوع بارزاني في شرك الكلام المزيف والمصطنع، فقد جاء في الفقرة “ثانيا” من رسالته مانصه: “…لقد استطعنا بكفاحنا وتضحياتنا انتزاع حقنا وان كان (منقوصاً) في ظل حكم صدام حسين…”. هنا ياكاكه مسعود خانتك قدرتك على إيلاج الكذبة بلبوس الحقيقة، وأخفقت في استخدام الطلاء المناسب لتغطيتها، فالجميع يعرف من الذي وهبك ماأسميته “شبه استقلال”.
وتكررت الإخفاقات لديك كاكه في الفقرة “ثالثا” عندما قلت: “…بعد سقوط الدكتاتورية، في عام ٢٠٠٣ بادرنا -باختيارنا- ورغبة منا بالمشاركة الفعالة في رسم ملامح العراق الجديد، بالتخلي عما كنا فيه من (شبه استقلال) والانخراط في العملية السياسية”. فواضح جدا للقاصي والداني تدخلاتك المباشرة وغير المباشرة، طيلة الأعوام الأحد عشر الماضية في تغيير ملامح العراق الجديد على ما تصبو اليه أحلامك ومخيلاتك التوسعية.
أما “رابعا” فقولك: “…لكن ما واجهناه من عنتٍ ومجافاةٍ وانكارٍ وتعالٍ، منذ تولي السيد نوري المالكي السلطة…”، فأظنك هنا قد جسدت قول المثل العربي: “رمتني بدائها وانسلت” فالعنت والمجافاة والإنكار والتعالي هي سماتك وخصالك وصفاتك انت ياكاكه..! ويضيق مقامي هذا للحديث عن؛ “خامسا” و “سادسا” و “سابعا” و…





