عبد المنعم الاعسم
لا شك ان وقائع اجتماع مجلس النواب، ومشهد التفتت والاضطراب والشجار، والعجز الواضح عن المضي في تشكيل الحكومة وهياكل الدولة الدستورية، اعطى رسالة الى “داعش” بالتمسك في مشروعها الاجرامي والزهو برطاناتها وموصوف الخلافة المضحك، كما اعطى مؤشرات مخيفة عن مفترق الطرق الذي تتخبط فيه البلاد.
السؤال الاستباقي هو: من الذي اوصل العراق الى مفترق الطرق؟ السؤال(في التحليل الموضوعي) مهم وإشكالي، وينطوي على محاسبات وقصاص، لكن قبل ذلك تأشير الخطايا والاخطاء الكثيرة التي ارتكبت ودفعت الملايين العراقية ثمنها الباهظ من مواكب القتلى والنزوح والاحتراب والمجاعة والخوف. عندما وقف موسوليني في شرفته ورأى روما في مفترق طرق، وعلى شفير الهزيمة التفت الى الكاردينال شوستر يسترشد فيه الى الخطوة القادمة، قال له الرجل الحكيم: “حان الوقت للاعتراف بخطاياك” ومما له مغزى ان طلب الاعتراف هذا جاء متأخرا، فقد كانت روما تعبر مفترق الطرق الى الهزيمة فالخراب.
ومن غير مبالغة فقد ادخل الطائفيون العراق في ما يشبه سلسلة من افلام الرعب، الارهاب مرعب. انتشار الاسلحة والراجمات في الاحياء والشوارع مرعب. الفساد مرعب. التفجيرات مرعبة. الاغتيالات بكواتم الصوت مرعبة. الاحتقان الطائفي مرعب. الشخصانية السياسية مرعبة. اعتداءات الجيران مرعبة. اسعار المواد المعيشية مرعبة. الثراء الفاحش مرعب. الفقر الجماعي مرعب. حتى بدا للمراقب بان هناك صناعة رائجة للرعب يجري استعارة فنونها من هيتشكوك باقل قدر من الاناقة الفنية والتشويق والدم البارد، وباكثر قدر من الانانية والوحشية وعدم المبالاة.
مفترق الطرق، منطقة توازن حساسة وخطيرة لا تتحمل الخطا أو العناد او المراهنة على الحظ. كل الاحتمالات واردة. في الاحوال العسكرية تبرز لذوي النظر نقاط مجابهة خطيرة تتجه مواقع سيادية (الحدود. انتاج النفط. التعايش الديني.) جنبا الى جنب مع اليات استيعاب النصر والهزيمة، وفي الصراع السياسي تتركز الازمة وتتفرع الى احتقانات ورائحة بارود في بيت الاكثرية (الكتلة الاكبر) فتتراجع هوامش التسويات الى ادنى مساحة لها، فيما تتأزم البيوت الاخرى وتتقاتل على الزعامات والنفوذ والمقامات.
العراق في مفترق طرق بين استئناف عملية التغيير وبناء دولة المواطنة والرخاء والامن وبين الارتداد الى غابة تنقذف منها الخارطة الى سلة المهملات، ويتقدم فيها الطبل طوابير ابدية من النعوش.
ولا تصدّق بما البرهان يبطله
فتستفيد من التصديق تكذيبا
المعري





