في عدد اليوم من صحيفة ( الحقيقة ) ضيفنا على مائدة الحوار شاعر مغربي ،عانق الشعر بحبٍ و شغف … حريص على جودة الكلمة ، غيور على قيمتها.. ومن وحي الصور والمشاهد اليومية تجده منهمكاً في رسم المفردة الممزوجة بالألم و الأمل الانساني ليبعثها رسائل نحو من يهمه الأمر… كانت مهمته الأدبية ترتكز على المعادلة الجمالية للأشياء ،في انفتاحه على الآخر – الآخر الإنساني في عموميته- من خلال سبر العلاقات الإنسانية ضمن تفاعلاتها، ومحاولة الالتقاء بذواتٍ إنسانية أخرى أسهمت -بطريقة أو بأخرى- في البناء الفكري و الثقافي الكبير لديه…
يذكر أن الشاعر بوعلام دخيسي من مواليد وجدة المغربية عام 1969م/ هو عضو في رابطة الأدب الإسلامي العالمية، صدرت له العديد من المخطوطات و المجاميع الشعرية نذكر منها ” هديل السحر” سنة 2012 ،و ديوان ” الحرف الثامن” الذي احتفى به مؤخرا ضمن نخبة من أدباء المنطقة الشرقية في المغرب..كما شارك في العديد من الملتقيات المغربية و اسهم في نجاحها حضوراً و شعراً و فخراً..و على اثير ( الحقيقة) و من منطلق البحث عن التميز ..كان لنا معه هذا الحوار الرائع فأهلاً و سهلا به اليوم بيننا …”
حوار ـ سناء الحافي
الشاعر بوعلام دخيسي نرحب بك في دار الحقيقة ونستهل حوارنا معك بتعريف موجز عنك للقارئ العراقي، و كيف بدأت رحلتك مع الشعر و الكتابة على امتداد التجربة و الدراسة؟
– شكرا لك أختي سناء وشكرا من خلالك لجريدتكم القيمة التي نرجو لها مزيدا من التألق والعطاء.
بوعلام دخيسي من مواليد 1969 بالمغرب، أحاول أن أكون شاعرا، لم أحصل على شواهد دراسية كبيرة وأشتغل موظفا في قطاع البريد في شرق المغرب. بدأت الشعر هاويا، أحاول أن أشكل من الحروف ما يشكل غيري، شجعني ثلة من الشعراء والنقاد حتى أنجبت أول مولود ساعة السَّحر فكان “هديل السَّحر” في أواخر 2012 و”الحرف الثامن”قبل أسابيع قليلة عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية وعضو مشارك في تأسيس مجموعة من المنتديات الأدبية في وجدة كالمقهى الأدبي ورابطة الشعراء الشباب والصالون الأدبي وجمعية رهانات للفن والثقافة، شاركت في عدة ملتقيات جهوية ووطنية كان آخرها ملتقى عيون الأدب بالصحراء المغربية.
أفضل في شعري أن أجنح إلى الإيقاع الخليلي ولا أنكر على من يخوض الشعر دون ذلك بل أرى أن الجمال جمال لا علاقة له بالشكل، بل إن المضمون نفسه يرتقي به الجمال إلى مقامات أخرى ما لم يكن يخدش في مقومات الذات والآخر…
* صدرت لك عدّة مجاميع شعرية ، يتباين فيها صراع الأنا مع السلطة و الحب و الوطن .. حدّثنا عن منجزك الشعري و هل برأيك استطاع بوعلام دخيسي إيصال رسالته الوجدانية دون قيد و خوف من هاجس النقد؟
– ما قلتِه أختي يحال على القارئ والناقد فهما من يحددان مدى وصول الرسالة وما درجة التداخل، لكني أقول أن الشعر رسالة إنسان لا يختلف عن غيره إلا من كون هذا الغير نصبه شاعرا فهو الأنا والوطن والحب وو..
والذي أؤكد عليه هنا أني أتحاشى أن أكون ناطقا باسم أحد غير الإنسان أنى وكيف ومتى كان.
الشاعر الحق في نظري هو الذي يستطيع أن يعبر عن القريب والبعيد والأبعد في كلمة واحدة..
أما حديثك عن النقد أختي فالأصل أن يتفقد النقد مواضعه في الإبداع لا العكس، ولا يعتبر المبدع مبدعا إلا إذا نال حريته التامة دون قيد أو شرط.
*تشهد الساحة الادبية المغربية انتعاشا كبيراً على مستوى الأنشطة و تأسيس الصالونات الأدبية ، من وجهة نظرك كيف خدمت هذه الصالونات الشاعر المغربي إيجابيا و ما تأثيرها السلبي في زحمة من يدّعون الشعر ؟
– الصالونات الأدبية عُرفت منذ القديم وانتشرت في أوروبا كما في بعض الدول العربية وانتعشت وانتشرت في الأعوام الأخيرة في المغرب على وجه الخصوص وللثورة المعلوماتية والإعلامية دور كبير في ذلك، ولا شك أن لها تأثيرا مهما على الأدب والشعر خاصة، نذكر من ذلك الاحتكاك وتبادل الأفكار والرؤى كمحطة ضرورية للمضي قدما إلى الأمام وتحريض المبدع على التألق أكثر والعمل بسنة التدافع والتنافس من خلال تقويم التجربة على ضوء الآخر. وأما حديثنا عن الرداءة والتشاعر.. فالزبد من عادته أنه يذهب جُفاء والبقاء سنته أن يكون حليف الأصلح والأجمل، بل إن إتاحة الفرص للجميع حجة لمن يتترس بشعارات المظلومية والانحياز لهذا أو ذاك..
*نبقى على قيد الشعر، برأيك لما حضور الفعاليات الأدبية الوطنية يقتصر فقط على تكرار الوجوه بغض النظر عن القيمة المعنوية للشعراء الحقيقين؟
– نعم هو واحد من جملة الأدواء التي تنخر في جسم الثقافة والأدب كما تنخر في مختلف الأجسام الأخرى من الزبونية والمجاملاتية والعلاقات الضيقة المشبوهة أحيانا… ناهيك عن ضيق حويصلة بعض المؤسسات خصوصا الرسمية منها لقبول الصوت الآخر ومِن الآخر الجديد حتى أصبح يُتوهم للبعض أن مسيح الشعر قد نزل على عهدهم ولم يبق إلا أن تُرفع الأقلام وتجف الصحف. ومما عايناه بالشكل المباشر في الملتقيات الموصوفة بالعربية والدولية هو غياب الأسماء الوازنة والأصوات الرنانة وهذا ما يؤكد ما قلت حتى إن البعض أصبح يشك هل ثمة شعر خارج وطنه لما يراه من مستويات باهتة في أغلب الأحيان.
*في ظل حكومة العدالة والتنمية في المغرب،نجد أن أخطاء وزارة الثقافة مازالت تتكرر في قمع المفكر المغربي و طمس هويته الإبداعية في الخارج، باعتقادك ما سبب هذه الفجوة بين السياسي و المثقف المغربي على وجه الخصوص؟
-الفجوة بين السياسي والمثقف تكاد تكون لازمة مجتمعاتنا العربية والنامية عموما خصوصا بعدما تحطمت مجموعة من المشاريع المجتمعية التي كان فيها المثقف دعامة أساسية في التغيير وتوجيه الرأي العام، عندما كان مسرح الهواة مثلا -والحديث هنا عن المغرب- يصول ويجول في خشبات الوطن ومعه فرق موسيقية كانت تهز كلمتها الشعوب لا الشعب الواحد، عندما كان للشعراء والأدباء في الوطن العربي عموما مكانة لائقة وهو يصدحون بكلمة الحق المُرة والحلوة في حق الساسة والمسوسين… قلت إن الأمر كان وما يزال في كل الحكومات والمشارب السياسية لأن الواقع غير الأحلام، ولا أرى أن الحكومات الإسلامية التوجه بالشكل الذي يراه البعض أكثر تطرفا في التضييق على الفن والثقافة وإن كان الأمر واردا في بعض الأحيان. ونحن نتحدث عن العدالة والتنمية نستحضر هذا الاسم في تركيا حيث انتعشت السينما والدراما والموسيقى أكثر في ظل هذا الحزب دون غيره وهذا ما يؤكد أن بيت القصيد الإرادة لا التوجه في حد ذاته.
*نرحل بك الى ملكوت الأدب ..باعتقادك متى تسقط الشروط الأدبية من الشاعر؟ و كيف تقيّم الساحة الأدبية المغربية من زاوية شاعر؟
-إشكالية القيود يجب أن تُفك طلاسمُها وإلا فإن اللغة مثلا خط أحمر في نظري لا يقبل من الأديب كيفما كان أن يتجاوزه بالرفس والعبث وله أن يموسق كلماته ويرنمها كيف يشاء بعيدا عن اللحن في القول.. فالشعر كان وما يزال ديوان العرب، أما على مستوى المضمون فالشاعر لا يعبر إلا على نفسه وسنضيع الوقت ونبدد الجهود إن حاولنا أن نمارس سلطة الضبط على أحد، فالبقاء للأصلح دائما وما على الجاد إلا أن يشمر على ساعد الجد فعلا لجودة أكثر تعصم الناس من زلة الاختيار.
وهنا نقول إن الشعر في المغرب كان وما يزال بخير وإن لم يبلغ العالمية ولا حتى الإقليمية العربية ومرد ذلك أحيانا إلى عقدة الشرق عند المغاربة أنفسهم وعند أهلنا في الشرق أيضا، وأحيانا للبعد عن التوتر وما عاشته الأمة العربية وما تعانيه والذي تمخضت عنه أقلام رسخت اسمها في الخريطة الأدبية العربية كدرويش ونزار ومطر ومظفر النواب وأمل دنقل وغيرهم…
*باعتقادك هل ممارسة الثقافة عبر العالم الافتراضي تختلف نتائجها عن الممارسة التقليدية للأدب و تعطي فضاء أوسع من الحرية ؟
-العالم يتغير وما نراه الآن جديدا قد يصبح في الغد تقليديا متحاوزا، الافتراض وما يحتويه من شبكات للتواصل أصبح ملاذا لا مفر منه وهو في بداياته ويمكنه أن يتطور أكثر، وحسناته ظاهرة للعيان وأهمها تقريب المسافات بين المبدعين وتسهيل عملية انتقال التجربة ووصول النقد في أوانه وتبسيط عملية النشر طالما وأدت أقلاما لا تحصى، كما تمكن المبدع من أهم أسلحته المتمثلة أساسا في الحرية التي هي أم الإبداع وأخته وابنته الشرعية… وكما قلنا بداية: دائما أمام الموجب سالب وسلبيات الافتراض تكمن في التهافت وتهافت التهافت لكن للزمن دائما كلمته الأخيرة.
*من المطلق الى الخاص …متى باعتقادك يكون الشكل واللحظة الشعرية متلازمين بالضرورة في خلق قصيدة حيّة تساير الواقع؟
– الشعر الصادق يلازم الواقع متى كانت اللحظة وكيفما كانت وكيفما كان الشكل. وحده صدق الشاعر كفيل بأن يفعل ذلك، الذي يبتز القصيدة ويحاول أن يقولها ما لم تقل إنما يجني على نفسه وعليها وعلى القارئ، لو استقرأنا ما خط كل شاعر لوجدنا أن أجمل ما كُتب ما نبع من لحظة صدق معاناة كانت أو فرحا أو غضبا أو حزنا.. بل إن مثل هذه القصائد صارت ملكا للشعوب والأمم كما هو الشأن لقصائد الشابي ودرويش ونزار وإن كانت في شقها العاطفي وما عُرف مظفر النواب لولا ما تعرض له من ضيم وتعسف جعل لقصائده طعمها وإن بالغت في رسم الجرح على الحروف…
*هناك من يرى أن الادب العراقي فنّ مدجن، و البعض الآخر يجد فيه مرجعاً عربيا للثقافة، إن سألتك لمن يقرأ بوعلام دخيسي للشعراء العراقيين؟ و كيف تقيّم الشعر العراقي من باب التّلقي؟
-العراق عريقة في كل فضيلة وكل جمال، وله حصة الأسد في الأسماء الشعرية التي لا مفر من النهل من معينها فهو بلد المتنبي وابن الرومي وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة ومظفر النواب والجواهري وسعدي يوسف وأحمد مطر.. لا أنكر أنني كباقي هواة الشعر والثورة شغفت يوما بهذا الأخير لكني أستمتع اليوم بشعراء آخرين ممن ذكرت، والتقيت بالشاعر عدنان الصائغ في ملتقى عربي في المغرب كما تجمعني علاقات طيبة مع شعراء أجلهم وأقدرهم مثل يحيى السماوي ومكي النزال ومهند حسن الشاوي وآخرين…
*هناك من يرى أن ملكة الشعر لا تكفي وحدها لكي يصبح الشاعر شاعرا متميزا ، باعتقادك هل هناك متطلبات أخرى ؟ و ما هي ؟
-رأي في محله ولعل أول مقومات الشاعر لغته، الشعر ديوان العرب وشاهد على اللغة بكل علومها، لذا وجب على الشاعر أن يكون ملما باللغة وبعد ذلك بثقافة قومه وأمته وثقافات الآخر وشتى المعارف والمدارك.. حتى إذا حلت الملـَكة وجدت البيت مفروشا قابلا لاستضافتها وإكرامها بما يليق وبهاءَها وقدرَها. كما أن الرغبة والميول أيضا له دور كبير في أن تكون شاعرا فهناك من كتب شعرا جميلا ذات زمن وانقطع حتى إن بعضهم لم ينشر ولو قصيدة واحدة ففوت على نفسه وعلى الناس لقب شاعر، في حين واصل آخرون وتدرجوا في مدارج القريض بفضل إرادتهم الأكيدة لقول الشعر. ثم إن من المتطلبات لتكون شاعرا أن تكون شاعرا فعلا بما تقول حتى لا يذهب الجهد هباء..
*في ختام حوارنا حدثنا عن جديدك الأدبي و كلمة أخيرة لقراء جريدة الحقيقة
-اسمحي لي أختي سناء أن أفشي هنا سرا تعلمينه حيث كانت جريدتكم الطيبة فأل خير عليّ حينما صادف اتصالكم بي لإجراء هذا الحوار الشيق موعد صدور ديواني الجديد الذي أنا مقبل على عرضه على القارئ في القريب العاجل بحول الله والذي سميته: “الحرف الثامن” كما كان لي مشاركة في ديوان جماعي مع ثلة من شعراء الجهة الشرقية من المغرب وهو الثاني من نوعه.. وأخيرا أجدد شكري اللامحدود لجريدتكم الطيبة راجيا أن أكون ضيفا خفيفا عليها وعلى قرائها من داخل العراق الشقيق وخارجها وكل التحية لأبناء الرشيد وحفدة سومر أصحاب الشعلة التي يجب أن لا تنطفئ.





_1617644865.jpg)



