عبد المنعم الاعسم
لا ينبغي ان نتردد امام السؤال: ما الذي اضاع ثورة تموز؟ ان ضياع كومونة باريس (العام 1871) بقي موضوعا على طاولة التحليل والمراجعة والنقد اكثر من مائة عام حين عقدت حلقة بحث في باريس العام 1971 لاعادة قراءة الحدث من زوايا نقدية، علما بان كارل ماركس سبق الجميع في تسجيل ملاحظات انتقادية على سلطة “اول دكتاتورية للبروليتارية في التاريخ”.
اقول، ومن باب المعاينة الموضوعية بان الصراع على السلطة.. الاستفراد بها والتآمر عليها.. هو الذي اضاع ثورة 14 تموز من بين اسباب اخرى، رئيسية وتفصيلية وجزئية، وبمعنى ما، اضاعت البلاد (في ذلك الصراع) فرصة بناء جمهورية دستورية مستقرة تتمتع ملايينها بالرخاء والحياة الامنة والحرية، وقومياتها وطوائفها وعقائدها بالاحترام والحرية، ويجد بيانها الاول ووعوده مدى للترجمة الى الواقع، حيث كان المستفردون والمتآمرون (وبعض اتباعهم ومريديهم الان هم في قلب الصراع الدائر على السلطة) يبررون موقفهم، آنذاك، بشعارات المصلحة الوطنية من جهة والمصلحة القومية من جهة اخرى، وإذ تمادى فريق منهم في التآمر والتجييش والغدر، فقد وجدت الجمهورية الاولى نفسها في بركة دم ومسلخ بشري، وصراعات مديدة ومدمرة متناسلة لم تتوقف عند حد حتى اليوم..
صحيح القول ، في علم الاجتماع والسياسة، بان الصراع على السلطة، صراع اجتماعي في جوهره، بما يمثل من ارادات وتصورات لمستقبل البلد، وما يستقطبه من شرائح اجتماعية تتوزع على هذا القطب او ذاك، وعلى هذا الخيار او سواه، لكن المتصارعين على حكم الجمهورية كانوا سيجنبون العراق هذا الضياع وتلك الفظائع لو انهم احتكموا الى الاسلوب الديمقراطي، والى فسح المجال امام الملايين لتتدرب على الديمقراطية واختيار النظام السياسي المناسب عبر الانتخابات، وصحيحٌ القول، ايضا، بان الشريحة العسكرية التي قادت انقلاب الجمهورية الاولى، كانت تحت تأثير موجة الحركات الوطنية التحررية العالمية من الاستعمار والتبعية في مطلع واواسط القرن العشرين، وانها (وربما غالبيتها) لم تكن مشبعة بافكار الديمقراطية واحترام الحريات وتداول السلطة سلميا وحسن ادارة بلد متعدد الاطياف والعقائد، وانها وُضعت منذ الايام الاولى للثورة تحت ضغط التآمر والتدخل الخارجي المتعدد والمعقد الاشكال، لكن المحصلة النهائية لتجربة الثورة، كشفت عن خلل قاتل لدى الطبقة العسكرية الانقلابية يتمثل في نمو نزعة الديكتاتورية الفردية، ثم الفئوية، بمديات واسعة وخطيرة، من جانب، وانحسار الفعالية الشعبية، والتباس وعي النخب الطليعية لضرورات كبح الاندفاع في الصراع على السلطة وترويج خيار الديمقراطية والحيلولة دون اغتيال الثورة، من جانب آخر..
وصحيحٌ القول، اخيرا، بان ثورة 14 تموز، حدثت في ظل (بل وفي ذروة) الحرب الباردة بين معسكري الرأسمالية والاشتراكية.. بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.. وانها راحت ضحية هذا الصراع واحكامه وامتداداته وتعقيداته في الاقليم العربي، غير ان ضيق صدر وافق المتصارعين على سلطة المستقبل وانانية وخطايا و”جرائم” ابطال الصراع عمّق هو الاخر من بصمات الحرب الباردة، بل وجعل العراق ساحة لتصفيات الحساب بين القوى الدولية والاقليمية النافذة.
وهكذا، ومرة اخرى، ضاعت الفرصة على مشروع الدولة الوطنية العراقية لكي يعبر الى ضفاف السلامة باقل الخسائر.
“المصلحة الشخصية هي دائما الصخرة التي تتحطم عليها أقوى المبادئ.”
توفيق الحكيم





