طارق سليم العبيدي
اهتمت دار المأمون للترجمة والنشر , بإصدار سلسلة جديدة تحت عنوان ( أوراق المأمون ) تتناول جوانب عديدة من المعرفة الثقافية وبين الكتب التي أصدرتها ضمن هذه السلسلة كتاب ( أزمة الاقتصاد العالمي) ترجمة الدكتور محمد درويش , وهذا الكتاب يكتسب أهميته في المرحلة ألراهنة التي يمر بها الاقتصاد العالمي وهي كمرحلة تتصف بالأزمات ألاقتصادية والمالية والنقدية وباتت تفرض تأثيرها الواضح في اقتصاديات البلدان الأقل نموا نظراً لهشاشة وضعها الاقتصادي لتلك البلدان من جهة وغياب اغلب خطط التنمية ألاستراتيجية والعلمية من جهة أخرى والتي يمكن في حال توفرها إن تساعد في تقليل أثار الأزمات ألاقتصادية العنيفة والمتواصلة .
إن إعادة النظر في هيكلة الاقتصاد العالمي ورسم معالمه الجديدة وفتح المجال واسعاً إمام مشاركة البلدان النامية في صنع قراراتها ألاقتصادية بعيداً عن التبعية السياسية أصبحت اليوم من ابرز اهتمامات الاقتصاديين العالميين سعيا من اجل خلق عالم جديد أكثر توازناً وأكثر انسجاماً في تطلعاته الانسانية .
إن الكتاب ومن خلال مايحتويه من مقالات ودراسات اقتصادية محاولة جادة لفحص المشكلات التي تواجه الاقتصاد العالمي منذ زمن ليس بالقصير … ولعل جوهرة هذه المشكلات يكمن في المساعي الحثيثة التي تبذلها الدول الغنية الرأسمالية من اجل الاستحواذ على منابع الموارد الاوليه الضرورية عمليات الإنتاج التي تتولاها تلك الدول من جهة أولى والسيطرة من جهة ثانية على الأسواق العالمية لديمومة اقتصادها وفرض هيمنتها ألاقتصادية والسياسية على البلدان الأقل نمواً وتطوراً من البلدان الصناعية المتقدمة . وإذا كان الإطار العام لمثل هذه الحركة ونقصد بها حركه السياسة ألاقتصادية التي توجه فيها الدول الرأسمالية المتقدمة صناعياً جهودها من اجل الهيمنة على الأسواق العالمية والسيطرة عليها – يتمثل في تحطيم كل شكل من إشكال المنافسة والقضاء على كل وسائل الحماية التي يمكن للدول النامية إن تفرضها على صناعاتها المحلية الناشئة وصولا إلى الاكتفاء الذاتي الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى التخلص من التبعية ألاقتصادية والسياسية مهما كان منبعها أو مصدرها , فأن الدول الرأسمالية الكبرى تجد اليوم إن مثل هذه المشكلات ألاقتصادية والتي تواجهها بين الحين والآخر ليس سوى مبرر لأجل تعزيز سيطرتها وهيمنتها على الاقتصاد العالمي بكل ما في من وسائل إنتاج وتمويل مالي ورأس مال صناعي وتنمية زراعية وصحية وبيئية بشرية .
يضاف إلى هذا كله , فأن الموجات العنيفة بين ألازمات النقدية التي اكتسحت الدول الاوربية في السنوات الاخيرة والتضخم المالي الأخذ بالازدياد وتفاقم مشكلة السوق التجاري المحلي والعالمي على حد سواء , وهي المشكلة التي من شأنها إن تقود إلى حروب تجارية , تكبر أو تصغر بحسب تطورها والتي باتت اليوم مظهراً اعتياديا للاقتصاد العالمي .
لقد أكد مختلف الاقتصاديين وبخاصة أولئك الذين انهمكوا في مجال النشاط الاقتصادي الغربي إن الأوان قد حان من اجل إعادة التوازن إلى الحياة ألاقتصادية العالمية والعمل إلى إسناد اقتصاديات الدول النامية والفقيرة إلى نحو يمكنها من التخلص من التبعية ألاقتصاديه والقيود ألاقتصادية والتي تفرضها على حركة اقتصادها مؤسسات كونية مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو منظمة التجارة العالمية وهي مؤسسات تهتم أولا وأخيرا كما يؤكد هؤلاء الاقتصاديون الغربيون أنفسهم في كتبهم وأبحاثهم وندواتهم ألاقتصادية بتحقيق الفائدة المالية والاقتصادية بالدرجة الأساس . إن هذا الكتاب يوضح جلاء أزمة الاقتصاد الرأسمالي الذي يهيمن اليوم على الاقتصاد العالمي ويرسم معالم الطريق للبلدان النامية من اجل العمل على ديمومة التنمية فيها ومراعاة خصائصها الفردية والمكونات البشرية ومزاياها الاجتماعية والثقافية والمجتمعية . كما يوضح السبل التي يمكن إن تنتهجها البلدان النامية من اجل تكوين رأسمال صناعي وزراعي يؤدي دوره الحاسم والمطلوب في بداية سنين التنمية في الأقل مادام إن الكثير من مفاتيح تحقيق التقدم الاقتصادي يكمن في التقدم الزراعي الذي من شأنه إن يقضي على الأزمات الغذائية التي تكتسح العالم بين حين وأخر ويقلل من الاستيرادات التي تستنزف موارد هذه البلدان التي يمكن تحويلها في مراحل لاحقه إلى الارتقاء بالواقع الخدمي والمعيشي والاجتماعي الذي يحتاج إليه السكان عموماً.





