فنون

عادل إمام “زعيم” الكوميديا العربية ونجم عابر للأجيال

ملامحه تشبه كل المصريين, لهذا لا تشعر بالغربة وأنت تشاهد أعماله, يضبط عادل إمام نفسه دائما على موجة الناس, يعايش همومهم واهتماماتهم, ومشاغل حياتهم, ثم يحولها إلى إبداع يرون فيه أنفسهم على الشاشة, فهو لا ينسى أبدا أنه منهم, خرج من البسطاء, وعاش واقعهم وأحلامهم, وعرفهم عن قرب وبلا رتوش أو حواجز, وأجاد لغتهم, كما عاش سنوات “صعلكة” أفادته كثيرا في التعرف على كل شرائح المجتمع فاقترب من الناس جميعا.

ولد عادل محمد إمام في حي الحلمية القاهري عام 1940 حيث جاء والده الحاج محمد إمام من محافظة الدقهلية ليعمل في القاهرة موظفا بوزارة الداخلية, وهو انسان بسيط ولا يعرف له مهمة في الحياة سوى تربية أولاده عادل وعصام ومنى وإيمان بشرف وأمانة, عاش بعقلية وطباع الريفي البسيط مؤمنا بأن الشهادة هي الأمان لمستقبل أولاده, لذا حرص على تعليمهم وإلحاقهم بالجامعة ليتخرجوا فيها ويحصلوا على سلاح يعينهم على تقلبات الحياة, ورغم خفة ظله التي جعلت النجم المصري يقول عن والده انه أعظم كوميديان شاهده في حياته, وأنه ورث عنه خفة الظل, إلا أن الأب كان يتسامح في كل شيء إلا العلم.

وكانت الأم نموذجا للأم المصرية في بساطتها وتلقائيتها وتفانيها ورعايتها لأولادها, وتتمتع بذكاء نادر وثقافة تلقائية أو على حد وصف عادل إمام كانت أذكى من أي سيدة عصرية, في تلك الأسرة الريفية البسيطة ولد وتربى عادل الذي ظهرت موهبته الفنية في المرحلة الابتدائية حيث كان يحب التمثيل بشدة, وكان مسعود مدرس اللغة الإنكليزية يشجع موهبته ويسعد بطريقة أدائه التمثيلية.

وفي المرحلة الثانوية انضم إلى فريق التمثيل حتى صار رئيس فريق التمثيل, وبدأت في حياته مرحلة جديدة, لهذا كان من الطبيعي عندما التحق بكلية الزراعة وقبل أن يبحث عن التخصص العلمي سأل عن فريق التمثيل.

“العسلية بمليم الوقية”

في كلية الزراعة كان يقدم حفلات التمثيل الإيمائي “بانتوميم”لمدة ساعة كاملة بمفرده, وشاهده نجم الكوميديا فؤاد المهندس أثناء تقديم أحد عروضه في الجامعة وأثنى على موهبته, وفي تلك الفترة بدأت فكرة تكوين فرق التلفزيون المسرحية عام 1961 وأقنعه صديقه الفنان سعيد صالح بالانضمام إليها, وكان المخرج حسين كمال يجهز بروفات مسرحية “ثورة قرية”تأليف الفنان عزت العلايلي, فاشترك عادل في المسرحية ككومبارس ويقول عبارة واحدة “معايا العسلية بمليم الوقية”, ولم يظهر الدور موهبته, ولم يستمر كثيرا مع فرق التلفزيون بسبب شهادة تأدية الخدمة العسكرية, حيث كان طالبا لم يتخرج بعد.

في السنة الثالثة وفي كلية الزراعة ذهب لمقابلة صديق له بجوار مسرح الهوسابير, ويومها كانت التدريبات تجري على قدم وساق لمسرحية “أنا وهو وهي”لثنائي الكوميديا فؤاد المهندس وشويكار بعد نجاحهما الساحق في مسرحيتهما الأولى “السكرتير الفني”, وكان من المفروض أن يشاركهما البطولة الفنان الشهير محمد عوض الذي بدأ بالفعل بروفاته معهما على دور “دسوقي أفندي”وكيل المحامي, لكنه اعتذر بسبب صغر الدور, ولقيامه ببطولة مسرحية “جلفدان هانم”, ووقع الجميع في حيرة بحثا عمن يلعب دور “دسوقي أفندى”, وأثناء ذلك كان عادل إمام في الخارج يطلب من مديرة المسرح فايزة عبدالسلام بعد أن انتهى من مقابلة صديقه مشاهدة بروفات المسرحية لإعجابه الشديد بالفنان فؤاد المهندس, ولأنه فنان شاب وسبق ولعب دورا في مسرحية “ثورة قرية”, فقالت له مديرة المسرح “عندك مانع تمثل دور في المسرحية”? فسألها دور إيه ? فقالت له: وكيل محامي, فوافق على الفور, لكنها عندما قدمته إلى أعضاء الفرقة فوجىء برفض سمير خفاجي مؤلف المسرحية الذى نظر إليه وق¯¯ال: “دا لا يصلح للدور!”, وقالت شويكار بطلة العرض “لسه عيل”, لكن فؤاد المهندس تمسك به جدا وقال “ده مناسب جدا للدور, وهذا الشاب موهوب وأنا سبق وأشدت بموهبته”, واستجاب الجميع على مضض لرأي المهندس نظرا لعدم وجود وقت ورفض كثير من الممثلين المعروفين الدور, وعلى المسرح فوجئ الجميع بالنجاح المدوي لدور “دسوقي أفندي”وجملته “بلد شهادات صحيح”.

أدخله العديد من المخرجين والمنتجين, “مفرمة” السينما, في أدوار تصنع فلوسا لكنها لا تصنع تاريخا, ولم يكن النجم الشاب وقتها يملك قراره فرضخ لقوانين السوق واستسلم لشروطه, وكان أول أدواره عام 1964 في فيلم “أنا وهو وهي” المأخوذ عن المسرحية سبب شهرته, ولعب نفس الدور, لكن الفيلم لم يحقق أي نجاح, لهذا انتظر عاما حتى قدمه المخرج فطين عبدالوهاب في مجموعة من أفلامه الكوميدية المهمة مثل “المدير الفني”و”مراتي مدير عام”و”عفريت مراتي”و”كرامة زوجتي”و”نص ساعة زواج”و”7 أيام في الجنة”.

ومنذ بداية عام 1967 أصبح قاسما مشتركا في أفلام عديدة, ووجدت السينما فيه نموذجا جديدا لدور صديق البطل, وهو نموذج كانت تعتمد عليه السينما كثيرا فيما قبل, وعددها 32 فيلما قام بتمثيلها من 1964 وحتى عام 1973 نجد أن أغلبها يتسم بسمات فنية متدنية لا أهمية لها مطلقا في تاريخ السينما, باستثناء أفلامه مع المخرج فطين عبدالوهاب ومن هذه الأفلام “إجازة بالعافية, الخروج من الجنة, الراجل ده هيجنني, أفراح, حكاية 3 بنات, حلوة وشقية, كيف تسرق مليونيرا, كيف تتخلص من زوجتك, أنا ومراتي والجو, حب المراهقات, رضا بوند” وغيرها.

وفي بداية عام 1973 راهن المخرج نيازي مصطفي عليه وعلى الفنان سمير صبري ليقوما ببطولة فيلمه الجديد “البحث عن فضيحة”المأخوذ من الفيلم الأميركي “دليل الرجل المتزوج”, هذه فرصة غريبة و نادرة أن تمنح البطولة لاثنين من الشباب كانا فيما قبل مجرد ممثلين للأدوار الثانوية أو البسيطة, ولم يكتف المخرج بذلك اذ أعطى لبعض نجوم السينما الكبار آنذاك مثل يوسف وهبي وعماد حمدي ومحمد عوض وأحمد رمزي, وزيزي البدراوي وغيرهم أدوارا ثانية.

مدرسة المشاغبين

في تلك الفترة التي كان يتأرجح فيها بين البطولة الجماعية والبطولة الثانية كانت مسرحيته “مدرسة المشاغبين”التي يقوم ببطولتها مع سعيد صالح, وأحمد زكي, ويونس شلبي, وسهير البابلي, تحقق نجاحا كاسحا, وأثارت العديد من القضايا التي وصلت إلى حد منع عرضها في التلفزيون, ولم يتوقف الجدل حتى هذه اللحظة حول “مدرسة المشاغبين”التي تتحدث عن مجموعة من الطلبة المنحرفين.

واستغل بعض المنتجين النجاح الكبير الذي حققه عادل إمام في “مدرسة المشاغبين”وعرضوا عليه البطولات المطلقة. وفي نهاية عام 1978 عرض فيلمه “المحفظة معايا “تأليف أحمد عبدالوهاب وإخراج محمد عبدالعزيز, وفي هذا الفيلم ترك عادل إمام شخصية “المتعلم”التي لعبها في معظم أدواره السابقة ليقترب لأول مرة من الطبقات الاجتماعية التي طفت على السطح بعد مرحلة الانفتاح الاقتصادي, فهو هنا يقدم حرامي خفيف الظل وليس شريرا, يتخذ من السرقة وسيلة لكسب قوت يومه, ويحيا حياة بسيطة, ويعرض الفيلم ويحقق نجاحا كبيرا, لتبدأ معه تباشير ظهور نجم جديد يجمع بين البساطة والأداء الجيد.

كما في فيلم “رجب فوق صفيح ساخن”إخراج أحمد فؤاد, ولعب دورا جديدا عليه حيث قام بدور “رجب”ابن البلد البسيط الذي لا يلبث أن يتحول إلى شاطر, يجيد التصرف, وحقق الفيلم نجاحا أكبر من فيلم “المحفظة معايا”, وبمجرد نجاح شخصية “رجب”أخذ الناس يتوافدون على أفلام عادل إمام, فقدم أفلاما حاولت أن تستفيد من نجاح ظاهرة “رجب”مثل “شعبان تحت الصفر”و”رمضان فوق البركان”و”المتسول”و”عنتر شايل سيفه”و”الأفوكاتو”, وتوجته هذه الأفلام نجما جماهيريا.

وتلاها مرحلة السيطرة والتربع ليصبح نجم شباك التذاكر الأول في عقد الثمانينيات, مثل فيها شخصيات كوميدية وجسد فيه دور المصري بمختلف مراحله ومستوياته, في أفلام مثل “المشبوه”, “كراكون في الشارع”و”احترس من الخط”و”خلي بالك من عقلك”و”خلي بالك من جيرانك” و “البعض يذهب للمأذون مرتين”.

ومع بداية التسعينيات أخذت أفلامه الصبغة السياسية الاجتماعية التي تعكس اهتمامات رجل الشارع في المجتمع بشكل كوميدي ساخر, وشكل مع السيناريست وحيد حامد, والمخرج الشاب شريف عرفة فريق عمل ناجح جدا, تارة يناقش الإرهاب في فيلمي “الإرهابي”و”الإرهاب والكباب”, وتارة يناقش الفساد في فيلمي “المنسي”و”طيور الظلام”.

واكب نجاحه السينمائي آخر مسرحي حيث سارا في خطين متوازيين فانتقل عادل إمام من “مدرسة المشاغبين”ودام عرضها ثلاث سنوات, إلى مسرحيته الثانية الأكثر نضجا “شاهد ما شفش حاجة”التي استمر عرضها ثمانية أعوام, وتوالت أعماله المسرحية “الواد سيد الشغال”التي عرضت ثماني سنوات أيضا, ثم “الزعيم”التي عرضت خمس سنوات, وأخيرا “بودي غارد”التي عرضت عشر سنوات.

على القمة

لم يحدث في تاريخ السينما آخر مسرحية ظل نجما على القمة طوال 40 عاما متصلة, فبين “المحفظة معايا”عام 1978 وحتى فيلم “زهايمر 2010 “, ظل عادل إمام في صدارة نجوم شباك السينما والمسرح, سقط نجوم وصعد نجوم وبقي وحده نجما عابرا لكل الأجيال, وهي سابقة لم تحدث في تاريخ السينما.

في أعماق عادل إمام تقدير خاص للمرأة ومكانتها, واعتراف كامل بدورها في حياته ومشواره ونجوميته, أنه يذكر والدته الريفية البسيطة بكل إعجاب, منها تعلم وعلى يديها تربى وعرف معاني الرجولة والإنسانية, وعاش الزعيم سنوات طويلة من صباه وشبابه شاعرا أن حبه لأمه يكفيه ويرضيه من دون حاجة لامرأة أخرى تأخذه من حياته ومن فنه ومن حريته, كان مفتونا بحياة “الصعلكة”التي تجعله كالعصفور بلا قيود ولا حدود, أصبح العدو الأول للزواج في شلة الصعلكة التي تضم سعيد صالح, وصلاح السعدني, وماهر تيخة.

وعلى طريقة العصفور جرب الحب “الطياري”الذي لا يترك في القلب أثرا ولا ألما ولا علامة, لكنه وجد نفسه على موعد مع الحب الحقيقي, مع هالة الشلقاني قال لها: خلاص اتجوزنا خلينا حلوين مش عايزين عيال دلوقتي علشان نستمتع بحياتنا, فقالت له: حاضر وأنجبت رامي الذي يعمل حاليا بالإخراج, وأخرج لوالده معظم أعماله الأخيرة, قال لها: ولد واحد كفاية نعمة من الله نربيه كويس ويعيش كويس, وأسرة صغيرة تساوي حياة أفضل, قالت له: حاضر وانجبت له سارة, قال لها: الحمد الله ولد وبنت آخر حلاوة قالت له: حاضر وأنجبت محمد الذي يعمل حاليا كممثل في العديد من الأفلام والمسلسلات.

لم يكن طريق عادل إمام مفروشا بالأوسمة والجوائز التي حصل عليها خلال مشواره, لعل أبرزها عندما تم اختياره عام 2000 سفيراً للنوايا الحسنة في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة, لكنه تعرض للانتقادات والجدل, حيث وجهت له انتقادات من بعض الإسلاميين لاستهزائه ببعض الجماعات الدينية ودخل المحاكم بسبب مسرحية “شاهد ماشفش حاجة”ولم تكن المرة الأولى التي يواجه فيها مثل هذا الموقف ولا الأخيرة أيضا, فبعد ذلك وأثناء عرض فيلم “المتسول”رفع عمدة “خربتها”التي جاء ذكرها في الفيلم, قضية بسبب سخرية نجم الكوميديا من اسم وعمدة القرية, كما رفعت نقابة المحامين قضية ضده بسبب دور محامي فاسد “حسن سبانخ “في فيلم “الأفوكاتو”.

في عام 2011 قدم محام مصري دعوى إلى محكمة جنح الإسكندرية ضد عادل إمام, وكاتب السناريو وحيد حامد, والمخرجين شريف عرفة, ونادر جلال والكاتب لينين الرملي, يتهمهم بازدراء الأديان السماوية والسخرية من المقدسات ورجال الدين في أعمالهم الفنية, وفي 26 ابريل 2012 قررت محكمة جنح العجوزة عدم قبول الدعوى.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان