حوارات وتحقيقات

فيها مودة ورحمة … التبرع بالأعضاء الجسدية بين التوجيه والإرشاد

    التبرع بالأعضاء سواء أكان ذلك أثناء الحياة أم بعد الوفاة! عمل إنساني نبيل ولا يشعر بعظمة هذا العمل الجليل إلا من تجرع مرارة فقدان أحد أقاربه وكان بانتظار قرار إنساني مثل هذا، لكن العائق الوحيد الذي يحول بين الناس وهذا العمل وهو ما يخرج عن إرادة أي أحد، هو قرار أهل المتبرع الذين يرفضون دائما هذه الفكرة لأنهم يجدون أنفسهم بين نارين: فقد حبيب وقريب، والتبرع بأعضاء من جسده، الأمر الذي يحتاج توعية مكثفة في هذا الجانب، اذ أن المشكلة تكمن في قلة الشفافية، وقلة الوعي، والفتاوى المتضاربة في هذا الشأن، بالإضافة إلى قلة المعلومات التي في أذهان الناس حول آليات هذه العملية وآثارها الايجابية .. لكن هناك الكثير من العوائق التي تكون سببا في رفض الناس للتبرع بالأعضاء، و من ابرزها ضعف التثقيف الشرعي بجواز هذا النوع من التبرع، حتى مع وجود فتاوى شرعية من هيئة كبار العلماء والمجلس الفقهي الإسلامي.. و على سبيل المثال فإن أعضاء المتوفى دماغيا تساعد في إنقاذ حياة ستة إلى ثمانية أشخاص يرقدون على الأسرة البيضاء وليس لهم في الحياة بعد الله غير هذه الأعضاء..

(الحقيقة) من خلال هذا التحقيق  تسلّط الضوء على أهم العوائق و الحلول و آراء أصحاب الشأن ، هدفاً في توعية القارئ و ارشاده استناداً على رؤية الشرع و العلم و الاجتماع…

تحقيق ـ سناء الحافي

مواقف.. و قلوب في التراب !!

تحدثت إحدى الأمهات، في الثلاثينيات من عمرها، والتي تبرعت لابنتها بالكلى قائلة: تجرعت ابنتي “11 عاماً” مرارة الألم في صغرها، وأصيبت بالفشل الكلوي، معبرة عن شعورها بالحزن وقالت: هجرني النوم وأنا أجد ابنتي زهرة عمري تتعرض لغسيل الكلى ويرقد جسمها النحيل طريح الفراش، فتعجز عن اللعب والذهاب إلى المدرسة، فكم من ليالٍ رافقتني دموعي، ألتمس خيوط الليل وسط صمت الكون لأحتضنها وأستمع لدقات قلبها الرقيقة وألمس يدها البريئة.

 وتابعت: عندما علمت من الطبيب أن التبرع بالكلى سينهي آلامها لم أتردد لحظة واحدة في التبرع لها بكليتي، وبادرت بإجراء التحاليل والفحوصات الطبية، وفي يوم العملية اجتاحتني دموعي أثناء صلاتي أن تكلل العملية بنجاح لتسترد ابنتي عافيتها، وبعد إجراء العملية تفتحت عيناي وبادرت الطبيب بالسؤال عن ابنتي وأسعدتني إجابته: إنها بخير والله كتب النجاح لعملية زرع الكلية، وبعد سنتين من إجراء العملية، أحمد ربي أن كتب الحياة لابنتي من جديد، وعادت ابتسامتها لتشرق في دنياي من جديد..

 

روح في جسدين…!!

وبكل معاني المودة والرحمة بين الزوجين تحدث أحد الأزواج تبرع لزوجته بكلية قائلاً: زوجتي ورفيقة عمري ابتلاها الله بفشل كلوي، في أصعب لحظاتها المرضية لم تقصر في رعايتي، والاهتمام ببيتها، عاصرت معاناة زوجتي النفسية والجسدية في الغسيل الكلوي لعدة سنوات.

 وتابع: كنت أشعر بألمها وهي بجانبي فأحتضنها لأخفف عنها آلامها، كانت تخفي دموعها عني، كي لا تزعجني، وكان يغمرني الحزن عندما أشعر بدقات قلبها المتلاهثة تكافح من أجل الحياة، بعد فترة من معاناتها توكلت على الله وقررت التبرع لها بكليتي، فكم أتمنى أن أهبها روحي لتحيا وتظل دائماً الشمعة التي تضيء حياتي، بعد إجراء الفحوصات الطبية ثبت توافق أنسجتنا، وبفضل الله تبرعت لها بالكلية، وانتابني شعور، مزيج من الفرح والبكاء عندما وجدتها تتماثل للشفاء، ونحن حالياً ننعم بصحة جيدة.

 

ايثار و تضحية …!!

ويضرب شاب في الثلاثينيات أروع مثال للإيثار والتضحية في تبرعه بفص كبدي لطفلة، وقال: تأثرت جداً عندما علمت أن طفلة بحاجة لزراعة كبد، انهمرت دموعي وأنا أرى زهرة متفتحة كادت  تذبل، فما ذنب طفلة الخمس السنوات أن تعاني في مرضها أو تفقد حياتها؟

 وتابع: في يوم العملية لم أخبر أسرتي بها، بل آثرت الكتمان حتى لا تشعر أسرتي بالقلق عليَّ، وعقب إجراء العملية شاهدت ابتسامة الطفلة تعلو شفاهها، وأسرتها تحمد الله أن وهب الحياة لابنتهم من جديد، وأبدى استعداده للتبرع بكليته أيضاً إذا احتاجها شخص آخر، فلا جدوى للحياة إذا انغلق الإنسان على ذاته، ولم يمنح الحياة لغيره بإذن الله عز وجل.

 

 موت دماغي و هبة اخرى…!! 

وتنفَّس أب الصعداء عندما أشرقت بسمة طفلته من جديد، بعد معاناتها مع الفشل الكلوي طيلة خمس سنوات، وقال: شعرت بالحزن والأسى وأنا أعيش مأساة فلذة كبدي.

 وتابع: علمنا أن هناك متوفى دماغياً يحاول الأطباء إقناع ذويه بالتبرع بكليته لابنتي، مرت الساعات دهراً وأنا أنتظر رأى أهل المتوفى، معرباً عن سعادته عند علمه بموافقتهم، وقال: سجدت شكراً لله عز وجل عندما أخبرني الطبيب بإمكانية التبرع بكلية من المتوفى دماغياً لإنقاذ حياة ابنتي، وشعرنا بالسعادة من جديد تغمر حياتنا.

 

الوفاة الدماغية.. وفاة شرعية !!

 و بهذا الصدد يرى الدكتور فيصل شاهين مدير المركز الطبي لزراعة الأعضاء أن تسجيل رغبة الشخص وموقفه من موضوع التبرع بالأعضاء يعتبر إجراءً مهماً يهدف إلى مساعدة مرضى الفشل العضوي، وإبداء الرغبة في التبرع بالأعضاء من عدمه بعد الوفاة..

وأفاد أن هناك صعوبات واعتراضات تواجه برنامج التبرع بالأعضاء، أهمها عدم وجود وعي مسبق عن مفهوم الوفاة الدماغية، وأنها تعادل الوفاة الشرعية رغم وجود المتوفى دماغياً على جهاز التنفس الصناعي، وقال: الــوفـاة الـدماغية هي حـالـة مـوت كامل الدماغ لا رجعة فيه أبداً، وأنه لا يحتمل وجود أخطاء في معاييره.

 وأكد أن العمل على تنشيط برنامج التبرع بالأعضاء وزراعتها سوف يؤتي ثماره ، موضحاً أن نسبة كبيرة من أهالي المتوفين دماغياً تصل إلى 92 % يوافقون على التبرع بالأعضاء إذا عرفوا أن تلك رغبة المتوفى دماغياً، بينما تنخفض هذه النسبة إلى حوالي 40 % إذا لم يعرفوا بذلك..

وأضاف شاهين أنه ليس هناك أي إشكالية بخصوص الوفاة الدماغية بين الطب والدين وجميع الأديان، ومن ضمنها الدين الإسلامي، حيث اُعتبرت الوفاة الدماغية بمثابة وفاة شرعية، وأجازت التبرع بالأعضاء من المتوفين دماغياً، وقد اعتمد البرنامج على فتاوى شرعية واضحة أجازت التبرع بالأعضاء أثناء الحياة أو بعد الوفاة ومن أهمها فتوى هيئة كبار العلماء رقم 99 بتاريخ 1402/11/16 هـ، إلا أنه مازال يحتاج المزيد من الدعم من جانب علماء الدين من أجل زيادة الوعي لدى العامة بمفهوم التبرع بالأعضاء على اعتبارها فكرة إنسانية تتماشى مع القيم الإسلامية والأخلاقية، وثوابها كبير عند الله تعالى.

 

التبرع و شبهة المتاجرة بالأعضاء …!!

 وقال: في حالة التبرع من حي لحي فلابد من موافقة المتبرع وعدم وجود شبهة المتاجرة بالأعضاء أو ممارسة أي ضغوط على المتبرع، مشيراً إلى أن اختيار المتبرع الحي يجب أن يتم بعناية فائقة بعد إجراء الفحوصات الطبية والنفسية وضمن الضوابط الأخلاقية، أما بالنسبة للتبرع من المتوفين دماغياً فتسجل استمارات إثبات الوفاة الدماغية ليوقع عليها طبيبان استشاريان، للتأكد من أن جميع الخطوات أجريت حسب البروتوكول، وفي حال الحصول على موافقة الأهل على التبرع يتم نقل الشخص المتوفى إلى غرفة العمليات لاستئصال الأعضاء التي نحتاج إليها وعادة ما تكون “الكليتين، الكبد، القلب، الرئتين، البنكرياس”.

 

ثقافة التبرع بالأعضاء..بين التوعية والارشاد !!

 فيما أفاد الكاتب وعضو جمعية خاصة للتبرع بالأعضاء  بشير القيسي أن تفاعل المجتمع يعد جيداً، ولكنه غير كافٍ ولا تزال عمليات زرع الأعضاء البشرية تعرف نقصاً كبيراً بالمستشفيات بسبب نقص عدد المتبرعين وتوجس البعض من التبرع بالأعضاء، معرباً عن أمله في أن يزداد هذا التفاعل مع توسع أعمال الجمعية في غرس ثقافة أهمية التبرع بالأعضاء عبر التوعية في المساجد ومراكز الأحياء والإعلام والفعاليات الثقافية للجمعية.

 ورأى أن التوعية المجتمعية تكون عن طريق إقامة الفعاليات والحملات التوعوية لنشر ثقافة التبرع بالأعضاء في المجتمع، موضحاً أن الجمعية قامت بعدة أنشطة توعوية ترفيهية وثقافية للتعريف بأمراض الفشل العضوي ونشر ثقافة التبرع بالأعضاء ..

 ولفت إلى دور الإعلام المرئي والمقروء، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الوعي في مختلف المناطق.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان