علي محمد الشلال
ان ((الاقتصاد)) عنصر مهم في حياة البشر فذلك يرجع الى ان هذا العلم يهتم بامور معيشة الناس من انتاج لمختلف السلع والخدمات او من حيث توزيع الدخول والثروات فيما بينهم وكيفية تنظيم علاقات الانتاج ولذلك فان الاقتصاد يعمل على توفير حاجات الناس واسلوب ذلك بما يترتب عليه من اختيار نظم للانتاج والتوزيع متضمناً امور ملكية الموارد الاقتصادية وكيفية التصرف فيها وعلاقات الانتاج وما ينجم عنها من اسعار للبضائع والخدمات او دخول للمساهمين في العملية الانتاجية فضلاً عما يتطلب ذلك من وضع السياسات العامة في مختلف الجوانب المالية والاقتصادية .
وأما أن ((السياسة)) عنصر لايقل اهمية عن الاقتصاد فهو يرجع الى ان مظاهر العلاقات الاجتماعية ــ سواء في الاقتصاد او غيره ــ لايمكن ان تستقر وتعمل بكفاءة مالم توجد قواعد للعبة يحترمها الجميع ويعاقب المخالف لها ، فالأفراد في اي مجتمع لاينضبطون في علاقاتهم بعضهم ببعض ولاتحترم حقوقهم وحرياتهم مالم توجد قواعد عامة معروفة للسلوك تفرض على الجميع وتحترم من جانبهم ويوقع الجزاء على من يخرج عليها او يخالفها ودون ذلك تعم الفوضى وتضيع الحقوق ويتسيد القوي ويهان الضعيف ومن هنا اهمية ((السلطة)) التي تفرض النظام وتضع القواعد وتضمن احترام الجميع لها .
وهكذا يتضح ان الاقتصاد والسياسة ــ ومعهما الأخلاق بالمعنى الواسع ــ هما اهم مقومات المجتمع ((فالاقتصاد)) يهتم بمعيشة الناس وتطوير قدراتهم الانتاجية و((السياسة)) تضمن وجود المجتمع وتماسكه وبالتالي قدرته على الانتاج والتقدم فلا ((الاقتصاد)) بدون ((سياسة)) كما ان العكس صحيح ايضا ومع ذلك فان نظره ((الاقتصادي)) للامور تختلف عن نظرة ((السياسي)) لها ((فالاقتصادي)) مهموم بقضية الانتاج والانتاج لايتم الاباستخدام الموارد استخداماً رشيداً ولكن الموارد ((نادرة)) وتتزاحم حولها الاستخدامات المتعددة ومن هنا لابد من ((الاختيار)) والتضحية ببعض الاستخدامات في سبيل ما هو أهم وهو مايؤدي الى ظهور مفهوم ((التكلفة)) فانتاج شيء باستخدام الموارد المتوفرة يعني التضحية بشيء اخر كان يمكن انتاجه بنفس الموارد وهذه هي فكرة التكلفة فقد نشأ علم الاقتصاد بسبب ندرة الموارد ومن يتحدث عن الندرة انما يتحدث عن ((التكلفة)) وهكذا يدور تفكير الاقتصادي دائماً على اساس المقارنة بين العائد والتكلفة والاختيار بتوقف على المقارنة بين مختلف العوائد والتكاليف .
ولكن ((السياسي)) مشغول بقضية اخرى فعينه دائماً على ((السلطة)) وهو يرى ان المجتمع لاينصلح حاله مالم توجد سلطة قوية ومستقرة ودون ذلك فان امور المجتمع تهتز وينفرط عقده ولاتقوم له قائمة . والحديث عن ((السلطة)) هو حديث اوامر تصدر وقواعد تصاغ من ناحية ويتم الانصياع والخضوع لها من المجتمع من ناحية اخرى . فالسلطة هي علاقة بين حاكم ومحكومين بين من يصدر الأوامر ومن ينصاع لها و ((مشروعية)) السلطة تستند الى شعور الحاكم والمحكومين معاً بان لصاحب ((السلطة)) الحق في اصدار الاوامر والقوانين وفي شعور المحكومين بان عليهم واجب الطاعة.
فمشروعية السلطة تعني الخضوع ((طواعية)) لاوامر وتكليفات السلطة أما اذا سقطت هذه المشروعية فأن الخضوع لاوامر السلطات لايتحقق الا بالقهر المادي او نتيجة الخوف من القوى المادية وفي هذه الحالة تصبح السلطة ((فعلية)) وليست ((مشروعة)) حيث تستند الى القوة المادية او الخوف وليس الى القبول التلقائي لافراد المجتمع ومن هنا فان ((السياسي)) يسعى لكسب رضا المواطنين لكي يصل الى السلطة ((المشروعة)) وهو لاينجح الا إذا وعدهم بنتائج ملموسة واهداف محددة وهكذا يظهر الاختلاف بين نظرة السياسي والاقتصادي ((فالسياسي)) مشغول بالدرجة الاولى بكسب قلوب وعقول المواطنين توسلاً للوصول الى السلطة في حين ان ((الاقتصادي)) عينه دائماً على التكلفة فليس الامر مجرد اهداف تتحقق وانما المهم هو ما يترتب عليها من تكلفة وهل لديه الموارد المتاحة وبرغم هذه التفرقة بين النظرتين للامور فان الواقع يفرض على كل منهما ان يراعي وجهة نظر الاخر .((فالاقتصادي)) لايفكر فقط في عالم من التكاليف والموارد وانما عليه ان يراعي ايضا علاقات القوى السياسية القائمة وماهو ممكن وماهو غير ممكن في اطار علاقات القوى وبالمثل ((فالسياسي)) لاينشغل فقط بممارسة السلطة واصدار الاوامر وانما عليه ان يحسب تكلفة كل قرار وما اذا كان من الممكن تحقيقه في ضوء مايتوافر له من موارد وبذلك فان الواقع العملي لايعرف التمييز الحاد بين ((نظرة الاقتصادي)) و ((نظرة السياسي)) ومعظم رجال السياسة و الاقتصاد يراعون الجوانب الاقتصادية وماهو كفء والجوانب السياسية وما هو ممكن ومطلوب .
والحقيقة ان الاصلاح في الاقتصاد كما في السياسة ليس مجانا وانما له تكلفة دائماً وان هذه التكلفة لاتوزع دائما على الجميع بشكل متساو اوعادل فالاوضاع القائمة لاتستمر مالم يكن هناك مستفيدون منها وهكذا ان الاصلاح هو صراع مصالح هناك مصالح مستفيدة من الاوضاع القائمة في حين ان قطاعات اخرى ــ قد تكون الغالبية ــ تضر فيها اشد الضرر والاصلاح يعني محاربة المصالح المستفيدة من الاوضاع القائمة والضارة بمصالح الغالبية فاصحاب هذه المصالح المهـددة لن يسكتوا على الاضرار بمصالحهم وانما سوف يقاومون كل إصلاح ففي كل من جوانب الاصلاح هناك مصالح تعارض ذلك وتحارب من اجل ابقاء الاوضاع على ماهي عليه . فالفساد مثلا ضار للاقتصاد وعبء على الشعب ولكنه من ناحية اخرى منجم ذهب للاقلية المستفيدة منه .فالحديث عن البطالة وارتفاع الاسعار اوسوء الخدمات العامة او انتشار الارهاب او توسع داعش و ((اخواتها)) كل هذا يرجع في الاساس الى الفساد المالي والاداري فمحاربة الفساد هذا والقضاء عليه واجب وطني وديني ومن يتغاضى عنه فلا يمكن الا ان نقول عنه بانه فاقد للمسؤولية الوطنية وحب العراق واهله.





