كتاب الحقيقة

مام جلال.. أهلا بك

عبد المنعم الاعسم 

 
كنا نريدك ان تأتي قبل هذا الوقت، معافى وقويا، فثمة مكان شاغر، في عواصف الغبار التي هبّت علينا، لعقل و”حَيْل” مام جلال، لكن الاقدار اقوى من شاعرية الاماني ونبلها، وكما يبدو فان للتمنيات العراقية طقسا ملبدا بالاحباطات، إذ قذفت بنا الانانيات الجامحة الى هوّة من الكوابيس، والى دوامة من الرطانات والمفاسد، والى طوابير من الجنائز والمعزّين، وهكذا “استيقظ التاريخ في صباح ما.. فوجد البلاد مملكة أرامل” كما يقول شيركو بيكه س.
في خلال الشهور العشرين، منذ غيابك بعيدا طي سرير المرض والملاءات البيضاء، كان العراق قد دس نفسه في انفاق لا نهاية وشيكة لها، وأتاح للغرباء ان يعبثوا ما شاء لهم، فيما مرت مياه كثيرة وهطلت دموع غزيرة، وعبرت على اجسادنا فلول مسلحة ودول مجاورة وخطابات حربية يتوعد بعضها بالبعض الآخر، ولم يكن بين اصحاب اللعبة من يستعين بواحدة من الحكم التي تركتها على طاولتك، حية ومجَرَبة. 
أشكوك هنا من البعض الذين أداروا ويديرون الامور، وكنت تراهن على حكمتهم وسلامة نياتهم، فقد ارتكبوا ذنوبا لا حصر لها، وخذلونا، مام جلال. تخاصموا مع بعضهم بلا فروسية، ومع انفسهم بلا رحمة، وباتت الابواب موصدة امام حكيم يبدأ الاصلاح والمراجعة والاعتذار بنفسه، وإذا شئت الصراحة فان الناس الذين تركتهم يديرون الشؤون والاقدار أداروا ظهورهم لنا، وفضّلوا راحة البال على راحة الضمير، فلا احد منهم يريد ان يزرع في الحقول الوعرة قبل ان يضمن حصته من الثمار، وكما يقول الشاعر الكردي احمدي خاني “ولكن ما بوسعي والسوق كاسدة.. وما من خياط لهذا القماش”.
لقد أضافوا إلى الصراع المشروع على الحاضر صراعاً باطلا على الماضي، بمحو الحدود بين ما هو تاريخي وما هو خرافي، ولتجريد المواطن، من ابناء التنوع والثقافات والانتماءات، من حق وجوده الوطني على هذه الارض، وبخسوا امثولتك عن “شدة الورد” بالتعددية التي تعطي هذه البلاد خصوصيتها ومقومات هويتها، ويقال انهم سألوك مرة عن الحل، فقلتَ لهم ان الحل بيدكم، اذا اردتموه حقا، فانه سيتحقق، وطبعا لم يكونوا ليريدونه، فيما فقدنا شهية حسن الظن بهم، كما فقدنا الثقة بامكانية ضبط التدهور على يدهم الى الكارثة، أو منع ما هو اسوأ، فحدث ما هو اسوأ فعلا بظهور اسراب الجراد من اصحاب اللحى والدشاديش القصيرة باسم داعش، وسقوط المدن، وانتشار عصابات القتل على الهوية، وحدث كما لون المنطق انقلب على شروطه، فالمتسببون في هذا المآل آمنون، ونحن وقود للحرائق.
اعرف مام جلال ان مهمتك شاقة، ومضنية، وأن قوتك وصحتك يخضعان لفروض العمر، وانه لا يصح ان نثقلك بواجبات تخلى عنها الكثير ممن ائتمنتهم، وان اللحظة التاريخية للعراق وكردستان العراق مشحونة بالالغام وسوء التدبر، لكن عودتك جاءت في الوقت المناسب، مجازا، الى أمل مرتجى.
 
“المهارة تصيب هدفا لا يمكن لأحد أن يصيبه، أما العبقرية فتصيب هدفا لا يمكن لأحد أن يراه”. 
شوبنهاور
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان