كتاب الحقيقة

الطيران في الضباب..

علي علي

 
  هناك مبدأ يعدّه هواة الطيور قاعدة أساسية لايحيدون عنها أثناء ممارستهم هوايتهم، ذلك المبدأ يحتم عليهم عدم إطلاق طيورهم في الأجواء الضبابية.. ومن (يطيِّر طيره) في الضباب يسمونه (مطيرچي كمش). إذ سيقع في مطب يفقده طيره حتما، ذلك أن الطير سيعلو في الجو حتى يصل مكانا يصعب عليه رؤية صاحبه، وكذلك صاحبنا سيستحيل عليه رؤية طيره في الضباب، فتنقطع الصلة بين الإثنين ويفقد كل منهما الآخر.
   ويبدو أن مبدأ كهذا يصح أيضا في كثير من جوانب حياتنا، منها على سبيل المثال (والحصر أيضا)؛ السماح لمنتسبي الدولة -لاسيما متبوئو المناصب الحساسة- بالسفر والإفلات خارج حدود العراق في حال ارتكابهم ذنبا او جرما، حتى وإن كان هفوة في تصريح او (چفصة) في مؤتمر، إذ ان المسؤول مسؤول عن كل مايخرج من عباءته من تصرف او فعل او كلام، او حتى إشارة او تلميح من قريب او من بعيد، فضلا عن تورطهم بفساد مالي اوإداري.. اوارتباطهم بأعمال عنف اوإرهاب.. او تسببهم في خروق أمنية.. اواختلاس مال.. اواستغلال منصب.. اواتصال مشبوه بجهات تعادي البلاد.. اوتواطؤ.. اوتزاور.. اوتعاون معها على الإثم والعدوان.. او احتمالات عديدة أخرى كلها متوافرة والحمد لله في مسرح السياسة العراقي، بعروض مستمرة من دون انقطاع. 
  وقطعا المبدأ هذا يأخذ شكلا أكثر حزما وصرامة إذا كان تصرف هذا المسؤول يعود بالضرر على البلد برمته، او على شريحة من شرائح المجتمع، والأمثلة على هذا في بلدنا كثيرة.. والشخوص المرتكبين مثل هذه الأخطاء أكثر، وهم أشبه بطير الـ (مطيرچي الكمش) حيث سمح لهم بالطيران في غياهب ليل بهيم مدلهم حالك، وفوق هذا وذاك السماء فيه ملبدة بالضباب.
   قبل أسبوع ضم مؤتمر نُضم في العاصمة الأردنية عمان، نفرا من الشخصيات العراقية، التي لم تجد شبرا في العراق يأويها فتجتمع فيه، لذا ماكان لها بد من عقد مؤتمرهم خارجه. وقد صرحت جهات عراقية عديدة بعد ذلك ان  “أغلب الحاضرين في مؤتمر عمان متورطون في “سفك” الدم العراقي ومطلوبون وفق المادة 4 إرهاب”. وقطعا أغلبهم كانت يداه قد تلطخت بدماء العراقيين الأبرياء، او تلوثت جيوبه بمال مسروق من خزائن العراق وثرواته التي سرقها بطريقة أو بأخرى، او ممن لاذ بعد أحداث عام 2003 بالفرار كونه من أزلام -او نسوان- النظام السابق. وقد كان المؤتمر مخصصا للبحث والمناقشة والتخطيط والعمل على كل ما من شأنه قلب نظام الحكم في العراق والقضاء على العملية السياسية، وكذلك تغيير الدستور.
   فلو علمنا ان هناك مؤتمرا دوليا لمكافحة الإرهاب كان قد عقد في بغداد خلال يومي 12 – 13 آذار من العام الجاري، وحضرته منظمة الإنتربول العالمية، أليس من الغريب والعجيب السكوت عن هؤلاء المطلوبين للقانون، مادام مكان تواجدهم صار بعلم القضاء العراقي؟ ثم ماواجب الانتربول في حال كهذا؟ ولِمَ هم مطلقو الجناح حتى اللحظة؟ وهل أن مبدأ الـ (مطيرچية) الضبابي آنف الذكر مازال ساري المفعول وسطوته فوق سطوة القانون..؟!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان