سامي كاظم فرج
في التاسع عشر من رمضان في العام 40 للهجرة وحين كان ابو الحسن يسجد ليعبد الها كان قد توجه اليه قبل ذلك بالقول(اللهم اني جئتك عابدا لا خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكني وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك)
في سجدة عبادة (علي) تلك تسلل مليئا بالسم والغدر والخيانة مرعوبا ومهولا من ذلك الجسد الطاهر الذي يغيب عقله عن الدنيا حال ملاقاة ربه لينال منه ..لينال من جبل اشم يشتمل على حقول خضراء لكل واحد منها سمة وفاكهة وعطر ..فذا شجاعة واقدام وذا عدل وتسامح وذا كرم وعطاء وبذل بما يملك من قليل و ذا بخل ما بعده بخل على اموال وممتلكات الرعية وذا صبر وتجلد وذا ايمان لاتحده حدود ولا تكبله مشاعر واحاسيس انية وذا عبادة الاحرار المجردة والمعتوقة من عبودية وجور الدنيا و عريها وذا دائرة معارف كبرى وينبوع لاينضب من العلم..
اذن نالت الارض الشرف لكي تصطبغ بدمائه الطاهرة الكريمة..حين سل الحسن(ع) سيفه وهو يهم بالاجهازعلى (ابن ملجم) لقتله والاقتصاص لابيه ..رفع وجهه(ع) وهو مضرج بدمائه مبلغا ابنه انه في حالة موته فان عليه ان يضربه ضربة واحدة ..أي واحدة بواحدة ..اما حين يبرأ فانه هو الذي سيقتص لنفسه..
أي عدالة هذه يا من تنسجون الملاحم وتسطرون الاساطير عن العدالة..!!
هكذا تحل ذكرى استهداف سيد البلغاء وحكيم الحكماء الامام علي عليه السلام بالغدر يعتصرني الالم ويداهمني اليأس وتترسخ لدي القناعة ارجو ان اكون مبالغا في تبنيها والتي مفادها ان الامل ربما يكون قد لفظ انفاسه الاخيرة ويتملكني احساس بأن هذا الشاخص العظيم قد استشهد يوم امس..!!
هذا المنهل الذي جسد ولخص كل ما طمح اليه الانسان وكل ما سعى اليه وكل ما سطره من نظريات ودساتير وقوانين احتوتها مؤلفات ضخمة بعبارات وجمل لايتجاوز البعض منها الكلمتان او الثلاث او الاربع فهذا الانسان الذي جسد انسانيته عليه السلام ليس فيما قال وحسب ولكن في جل سلوكه وكل مفردة من مفردات حياته..
فمن اطلع على سيرة وعطاء امير المؤمنين وتعلق بشخصه واتخذه مثلاً اعلى في الترفع عن الصغائر ونكران الذات ورباطة الجأش والشجاعة التي تجردت عن الطغيان والتعصب للذات وردع الانفعال والغضب والذي آمن بكل قيمه ومبادئه سيتملكه ذات الشعور والحس بأن عليا (عليه السلام) قد استشهد يوم أمس..!!
ولم لا..؟ اذا كانت جل المدارس الفكرية والنظريات الفلسفية ما برحت تنهل من عطائه الثر الذي لاينضب ما بين مصرح بفضله وثراه الفكري وبين من ينهل بصمت ويمضي..
أن الذي يرى أبا تراب أبا روحيا ويزنه بالمعيار الذي هو عليه وترتسم على سمات سلوكه لمحات ويؤسس دعائم قيمه ومبادئه غيض من فيضه سيتملكه لامحالة شعور بالخوف والخشية من ان العدل والانصاف والقيم العليا ربما تكون قد ماتت بموت علي…!!
كأن علي عليه السلام يعيش معنا وبين ظهرانينا ويعاني معاناتنا هذه الايام تحديدا حين قال وكأنه يخاطب اناساً معنيين (الفقر كفرٌ) فما الذي اصاب من يدعي ولاءه له ويدعي الولاء للاسلام..هل فهم معنى هاتين المفردتين ام أن (ابليس) يكمن في القعر وان الولاء للاسلام ولعلي لاتتعدى كونها غطاء وطريقا لولوج دار السوء والرذيلة..!!!
الفقر هو وقوع الانسان في دائرة الحاجة الماسة لما يوفر له الحياة والبقاء ومن ثم الطموح الى التساوي مع اقرانه في المجتمع الذي يعيش..ان استمرار حالة الفقر الذي تلف الانسان هو الحرمان الذي سيدفعه مرغما الى ارتكاب ما حرمه الله من اجل درء خطر يهدد حياته أذن سيكفر.. وهكذا جسد (عليه السلام) هذه المعادلة بمفردتين..لكي يوفر العناء ويلقي الحجة على من لا يريد ان يفهم على الرغم من انه لا زال يصيح بأعلى صوته الله اكبر..!!!
قال عليه السلام أيضاً (لو كان الفقر رجلاً لقتلته) هذه المقولة التي تركز على الفقر أيضاً يبيح لنفسه ارتكاب جريمة قتل وهي من المحرمات.. ولو أجرينا تمازجاً ما بين المقولتين لوجدنا بأنه سيقوم بقتل الكفر بلحمه ودمه كذلك فانه يبيح قتل الفقرحتى لو كان رجلا، أذن ومن خلال هذه الحكمة و(الفتوة)التي افتاها سيد البلغاء ماذا سيكون حكم الذي ياتي بالفقر ويرميه في بيوتنا وازقتنا مستعينا بجنود الكذب والنفاق وخيانة الامانة..؟!!
قال عليه السلام: (الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر)..أفلا يسمع من يهمهم الامر هذا القول..؟!
ايها الذين ملاتم الدنيا صخبا كاذبا ..ايها الذين ستظلون بلا وتر..!!
ألم يقل عليه السلام: (يوم العدل على الظالم اشد من يوم الجور على المظلوم)..وهذا ما رأيناه وسنراه بعد فالمظلوم الذي تغلي احشاؤه مهيأ لان يمحق الظالم ويحيله رمادا..!!
ثم قال عليه السلام: (يأتي على الناس زمان لايبقى فيه من القرآن إلا رسمه ومن الاسلام إلا اسمه،مساجدهم يومئذ عامرة من البُنى،خراب من الهدى ،سكانها وعُمارها شر أهل الارض،منهم تخرج الفتنة،واليهم تأوي الخطيئة،يردون من شذ عنها فيها،ويسوقون من تأخر عنها اليها)
هل يعيش في كنف علي عليه السلام وسلطته متسول أو من يبحث في حاويات القمامة عن لقمة عيشه؟!
أينك يا من رددت بصوت هادر وصلنا بعد 1435سنة أن (طالب الولاية لا يولى) وكأنك تبغي اسماع الاذن الصالحة والطالحة على حد سواء..؟!!!
أينك فعدلك هوالعدل..
وصدقك هوالصدق..
ونزاهتك هي النزاهة..
اينك يا سيدي فالشعب ما برح يبحث عن ابن ملجم وعن كل قاتليك..؟!!





