حوارات وتحقيقات

على أبواب العيد: جيوب يائسة و طفولة ترتقب البهجة

تحقيق / سناء الحافي 

لعيد الفطر نكهة خاصة و فرحة تكتمها أحيانا ظروف الفقر و الحاجة عند الكثيرين لا سيما انه جاء بعد صيام شهر كامل عن الأكل والشرب وبقية الملذات التي احلها الله خلال النهار على عباده، ولكن التساؤل يفرض نفسه بقوة على الكثيرين:  هل ان من انعم عليهم الله عز وجل شعروا حقا بما يكابده الفقراء والمساكين من جوع وعطش وحاجة وعجزهم عن تأمين موائد  فطور رمضان ام ان موائدهم كانت عامرة فيها ما لذ وطاب وما تشتهيه الأنفس؟! فحكمة الله عز و جل التي أرادها  من فرض الصيام في شهر رمضان أن يعرف الأغنياء مس الجوع والألم ويتساوى فيه الناس …حتى يشعر الغني بجوع الفقراء فيتذكرهم ويشعر بما يشعرون به ،…فهل سأل احدهم نفسه كيف أستقبل الفقراء وأطفالهم أيام العيد وما هو شعورهم عندما يشاهدون اقرانهم يلهون ويمرحون في مدن الالعاب و يتحلّون بثياب تليق بهم و بمستواهم المعيشي؟وهل تناهى الى علمهم ان ايام العيد للفقراء مناسبة سنوية ثقيلة تذكرهم كل عام بما هم عليه من بؤس وشقاء وحرمان وصلوا إليه بسبب جشع السياسيين وأصحاب رؤوس الأموال الذين تناسوا أمانتهم في خلق أسس الحقّ وفرض الزكاة و العدالة … في بلدٍ يعتبر من أكثر الدول الغنية بالثروات و القيم و الحضارة…

ان ما جعلني أقف على عتبة هذا التحقيق …هو احساسي بمسؤولية الموقف المهني ، حيث كنت أتجول في أحد الأسواق في اخر ايام شهر رمضان المبارك، و لفت انتباهي بعض الأطفال الذين كانوا يسترقون النظر الى الألعاب التي تشتهيها أنفسهم و تتسارع اليها لهفتهم ببراءة ،و لكن وجوههم التي تلبس رداء الحاجة و الفقر كانت كفيلة بقمع ذاك الاشتهاء و تلك الرغبة في ان تكتمل في قلوبهم بهجة العيد الذي سيأتي محملا بآمالٍ معلّقة لعيد ٍقادم ربما سيكون أفضل …

فكانت لي جولة التقيت خلالها بعدد من المواطنين والأطفال فكان لكم هذا التحقيق…

تقول ام أحمد “متبضعة”:

الى من نشكو همنا وضيق ذات اليد وعدم القدرة على مصاريف الأطفال فيما يتعلق بالملابس او الالعاب التي ارتفع ثمنها عن ما كان عليه قبل رمضان فالفرق شاسع بين الأسعار التي عرضت قبل حلول رمضان مع ما عرض قبله، فانا أم لخمسة أطفال ولكن ما باليد حيلة فالإمكانيات المادية لا تسمح لي بان اشتري لهم ملابس جديدة نتيجة للغلاء الذي تشهده هذه السنة بسبب تحكم بعض السياسيين بالسوق كونهم الوحيدون الذين حصلوا على حق استيراد الملابس او العاب الاطفال ما يجعلهم يتحكمون بسوق المفرد والجملة فيرفعون الأسعار لعدم وجود المنافس اما دور اصحاب المحال التجارية فيقتصر على إيصال السلعة للزبون كما انهم يبذلون قصارى جهدهم من اجل بيعها بسعر أدنى من اجل ان يكسبوا قوت يومهم فيما الربح يذهب الى تجار الجملة المستوردين، و بالنسبة لي لا معيل لديّ ، فأنا أعمل في أحد البيوت و أكسب مبلغا بسيطا لا يكفي لتلبية الحجيات الضرورية فكيف اذن استطيع شراء الفرحة لأطفالي …

و يقول: ابو رضا و هو عامل بسيط في أحد المعامل الصغيرة

لا يمكن باي حال من الاحوال ان نطلق اسم عمل على مهنة(العمالة) فنحن رهن توفر العمل وقد لا نتمكن من الحصول على عمل في مدة قد تصل الى شهر او اكثر وهذا تابع للمعارف وللظروف ولمن عملت عندهم ووجدوا انك تعمل بجد واخلاص فيوصون غيرهم بك ثم ان ما يحصل عليه أي من يقف في المسطر يكاد لا يسد رمق افراد العائلة المتكونة من ثمانية اطفال كبيرهم في الثانية عشرة من عمره ولهذا فانه بحكم المحرم علينا ان نفكر بشراء ملابس العيد وما نفكر به هو كيف نتمكن من ان نوفر ثمن الطعام الذي لولا وجود من يبعون بالدين لما تمكنا من توفيره وقد نموت من الجوع فيما نسمع ان بلدنا من اغنى بلدان العالم فيما اطفالي حفاة فهل تعترف الحكومة بهذا الامر, بل انني اعتبر شراء ملابس العيد تبذيرا ولا يمكن ان أفكر فيه باي حال من الاحوال, وكلما نظرت إلى أطفالي ينتابني الحزن والهم فماذا افعل عندما يكبرون وتزداد مطالبهم ولا يوجد ثمة حل.. فيما يكمن الحل بيد البرلمان والحكومة فلو جعلوا رواتب للفقراء تسد حاجاتهم وليس إسقاط فرض برواتب مثل رواتب الرعاية الاجتماعية التي تعد ضحكا على الذقون……

الدموع لا تفارق عيوني عندما أرى من هم في عمر اولادي يرتدون الملابس الجديدة في العيد

وتقول ام زياد”أرملة ولديها ثلاثة اولاد واربع بنات” توفي زوجي في الاحداث عام 2006 وكان يعمل في احدى مدابغ الجلود في النهروان ولكن معامل الدباغة اغلقت ابوابها وتركت عمالها في الطريق من دون معين وها انا ابيع الخبز في المنطقة من اجل ان اوفر لقمة العيش لابنائي ويزداد حزني وألمي والدموع لا تفارق عيوني عندما ارى من هم في عمر اولادي يرتدون الملابس الجديدة والنظيفة في العيد وقبله فيما اولادي ملابسهم مهلهلة قديمة وهذا حالنا نحن الفقراء أبا عن جد فلم يلتفت الينا احد وحتى الان  فتحولت أحلامنا إلى كوابيس لان الفقر هم وحزن وكمد دائم ومرض يميت القلب والروح فما هو ذنبنا أن نعيش حياة العوز في بلد غني فيما هناك من راتبه الشهري بالملايين لمجرد انه انتمى الى احد احزاب السلطة.

مات أبي.. و قلوب الناس متحجرة !!

وأما الطفل اليتيم مروان عبدالله 10 أعوام فهو يقول وقد اختفت ملامحه البائسة وكلماته المتقطعة حشرجات من النحيب المرتسم على عينيه: أبي – رحمه الله – استشهد في ميدان عمله وتركنا أنا وإخوتي الثلاثة وأمي وحيدين نرجو عطف الناس وإحسانهم لنا بعد أن عشنا عزيزين بينهم أمداً من الزمن

وأضاف  مروان: كل عام يقبل العيد علينا بذكريات حزينة كانت تجمعنا يوما مع عطف أبي وحنانه علينا ولكن وبعد رحيله لانشعر بأي طعم للعيد فهاهم أقراننا والأطفال الآخرون سعيدين بما أتاهم آباؤهم من الثياب والبدلات والألعاب فنعود إلى أمي نلح عليها بأن تشتري لنا شيئا للعيد ولكنها عاجزة عن إيتائنا بأي شيء نحتاجه فلا ذنب لها سوى فقرها والناس تحجرت قلوبهم على بعضهم فمن سيكفلنا بعد أبي ومن يدخل السرور إلى قلوبنا لتعود إليها بسمة العيد بعد أن رحلت….

وضعنا المالي يمنعنا من التفكير بالثياب الجديدة

 أم فارس مطلقة ولها خمسة أولاد قالت: إن “أسواق البالة هي المكان الأفضل للشراء في زحمة الأعياد وارتفاع الأسعار”, لافتة إلى أنها “ستشتري ملابس العيد لها لأولادها من البالة لأن أسعار الثياب معقولة جدا وجودتها عالية فأغلب القطع الموجودة تكون أوروبية أما البضاعة الجديدة المتواجدة في السوق فأسعارها مرتفعة جدا مع انخفاض جودتها”, مشيرةإلى انها لا تفضل البوح لأولادها وخاصة الصغار بأنها اشترت لهم ثياب العيد من البالة”.

ختاما …والألم يعتصر القلب و العين …

بقي ان نقول انه ينبغي على من شبع حد التخمة ان لا ينسى أن العيد الذي يمر عليه وعلى اطفاله يمر في الوقت ذاته على أطفال فقراء لذا عليه أن لا ينسى او يتناسى حاجتهم و أحلامهم ايضا ….. فكم من بيت سيمر به العيد وهو تحت وطأة الفقر والحاجة والعوز؟وكم من رب أسرة بات في فراشه وقد جافى النوم عينيه والألم يعتصره لأنه لم يستطع أن يوفر في العيد الملايس الجديدة لأطفاله ولم يتمكن بسبب فقره أن يدخل الفرحة والسرور على اطفاله بألعاب بسيطة أو ملابس جديدة….. من دون ادنى شك مئات البيوت، إن لم تكن آلاف البيوت …..في اغنى بلد في ثرواته…

و دعوتنا أن نجعل من الفقر عدوا نحاربه جميعا من دون استثناء على ان يكون من تصدى لمركز القرار والمسؤولية في المقدمة من اجل أن ندخل الفرح والسرور الى نفس الاباء والامهات الفقراء عندما يتمكنون من ان ينعموا برؤية الفرحة على وجوه اطفالهم ونسأل الله أن يعينهم على الفقر وقلة الحيلة وكفانا الله وإياكم شر الفقر وكل عام وأنتم بالف الف خير .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان