علي علي
مامن أحد منا لم يسمع قصة الرجل الذي أقدم على شراء سمكة، وأراد التأكد من كونها طازجة أم (خربانة) فراح يتفحص رائحة ذيلها، وحين نصحه أحدهم أن فحص السمكة يتم بشم رائحة رأسها أجابه: (أعرف.. بس اريد اشوف الخياس وصل للذيل..! )
منذ أكثر من أربعة عقود والعراقيون غرقى في مستنقع يعج بأشكال الروائح المستهجنة، وهم تارة يدركون مصدرها، وتارة تضيع عليهم مصادرها، ومافتئوا يتفحصون يوما بعد يوم روائح تنبعث من أماكن عدة، ومن شخوص عديدة في البلد، منها تنبعث ممن تبوأوا المناصب العليا الرفيعة والغليظة، ومنها من أتباع لهم أقل رفعة و (غلظة)، ومنها أيضا ما تقذفه رياح التدخلات الخارجية القادمة من بلدان الجوار لاسيما الجار الجنوب. حتى اختلط أمر تلك الروائح وعلى وجه الخصوص تلك المتبّلة بأعواد البخور، تغطية ومراءاة بواجهة تعكس مظهرا جميلا لجوهر نتن ونيات مبطنة.
ومن مستجدات الأماكن التي انبعثت منها روائح نتنة في الآونة الأخيرة، هي شمال البلاد.. مصطاف العراقيين ومربعه، وتحديدا من رئيس إقليم كردستان العراق هناك، فمنذ عام 2003 وهذا الرجل يتجسد فيه بيت الشعر:
إذ ماخلا الجبان بأرض
طلب الطعن وحده والنزالا
وأظن أن محاضر اجتماع مجلس نوابنا بدورتيه السابقتين -إن وجدت- تشهد ما للكتل الكردستانية من تأثير على سير الاجتماعات طيلة سنوات عمره الثماني، ولطالما كانت تلك الكتل جزءًا من السبب، او السبب كله في عدم اكتمال نصاب المجلس، وقطعا بخطة مرسومة ومدعومة بتحريض من هذا الرجل. ولو أردنا عد تصرفاته المعادية للعملية الساسية العراقية، لضاع بنا العد وسط أرقام مهولة، وكي لاتتعبنا الذاكرة لن أذهب بعيدا، فما حدث خلال الشهرين الماضيين ينم عن نيات مبيتة ومخطط لها مسبقا، وما تسهيل أمر عصابات داعش في توغلها داخل الأراضي العراقية إلا واحد من نياته، كما أن وضع يده على نفط العراق والعراقيين، يدل على بيعه وطنيته وقوميته وناموسه وأشياء أخرى كثيرة مقابل هذا المكسب.
ويوما بعد يوم يتبين ماكان يتأبطه هذا الرجل الجبلي الذي كان حريا به التحلي بأخلاق أبيه، في مقارعة الطغاة والوقوف أمام الظلم بأشكاله، فراح عكس هذا بتسليم وبيع وشراء أرض البلد ومائه وسمائه وثرواته، وما وصول تنظيم داعش الى ماوصل اليه بالأمس في الموصل إلا بمساعدة منه، وأقصد سد الموصل الذي ادعى قبل أكثر من شهر أن قوات البيشمركة تولت حماية السد من هذا التنظيم، وهي قادرة بإمكانياتها وعدتها وعددها –حسب قوله- على التمسك بهذا المرفق الحساس والخطير، فكيف إذن تتميع وعوده وتذوب أمام أول هبة من عواصف -حليله- تنظيم داعش؟ إن لم يكن هناك اتفاق مسبق بتسليم السد لغايات بعيدة وأخرى قريبة.
لقد حار العراقيون في وضع سمكتهم.. وتاهت عليهم أماكن خرابها وفسادها.. واشتبك حابل أمرهم بنابل التكالبات التي اجتمع عليها الرؤوس والأذيال للنيل منهم ومن عراقهم. فهل مثلنا الذي ذكرته في بدء مقالي هذا بات ينطبق علينا تماما؟
وهل مايحدث من ترديات وتداعيات سريعة في فقدان الأرض سببها خراب الرؤوس ام الأذناب!.





