علي علي
مازال من يعدون أنفسهم مراكز قوة وأصحاب شأن إيجابي لما يجري في العراق، ويظنون أنهم الأعلون في أحقية امتلاك العراق وحدهم أرضا وماءً وسماءً وكراسيَ ومناصبَ، حاضرا ومستقبلا، يتمشدقون في كل نادٍ ومحفل من دون خجل او حرج، وياليتهم يرفعون أصواتهم بمطالبات سياسية مشروعة، او وطنية تصب في الصالح العام، او حتى إنسانية على أقل تقدير، فهم لايتورعون من النهيق والضباح لتغليب المكاسب الشخصية والمصالح الأنانية على مصلحة البلاد وملايين العباد. وهذا مانراه في مؤتمرات تعقد هنا او هناك برعاية جهة لها أجندة موضوعة، وتحت أضواء مصادر إعلامية أجيرة تسعى الى نيل أكبر ما أمكنها من شهرة ومال، بصرف النظر عن الطرق المؤدية الى ذلك.
ومؤتمر عمان الذي لم يكن أول ولا آخر هذه المؤتمرات، ماكان ليأخذ صيته في الخروج عن أخلاقيات المحاورة، إلا للشخوص المشاركين فيه، الذي بدورهم لم يكونوا آخر الأشخاص الذين يحسبون أنفسهم سياسيين غير مشاركين في العملية السياسية من الداخل، فراحوا يصححونها من الخارج، وهذا لعمري قمة التآمر والتكالب غير المشروع وغير النزيه وغير الأخلاقي. ولو عدنا الى مقومات المؤتمرات الناجحة –لاسيما المستعجل منها او الطارئ- لوجدنا أن أولها هي أنها يجب ان تناقش حالة وليدة الساعة، وموضوعا يكون حديث الناس، وعلى وجه الخصوص حين يكون لعنصر الوقت أهمية من حيث تداعيات الأحداث وتدهور الأوضاع. إلا أن مانراه جليا في الخطب والمؤتمرات التي يقيمها بعض المدعين بوطنيتهم وولائهم للعراق، يعكس غير هذا تماما، فهم في حقيقة الأمر أبعد ما يكونون من العراق وطنا وولاءً، إذ من غير المعقول أن يمر البلد بظرف عصيب -كالذي يمر به عراقنا منذ شهرين- في حين يقيم أحدهم مؤتمرا ينادي فيه بتغيير الدستور، او آخر يضع العراقيل أما إتمام مهل اختيار مرشحي الرئاسات الثلاث، وثالث يثير غبارا في غير موقعه بغية تغطية حدث جلل من شأنه الرجوع بالعملية السياسية والنكوص بها الى الوراء خطوات. فلو أخذنا تصريحات هؤلاء من حيث تزامنها مع الأحداث، لوجدنا أنها جاءت في وقت تُسلَب فيه آلاف الكيلومترات من الأراضي العراقية، ويموت فيه مئات الاطفال والشيوخ وتُغتصَب فيه عراقيات مصونات، وكان حريا بأبطال الخطب الرنانة واللقاءات والمؤتمرات، أن يصبوا جل اهتمامهم بإيجاد السبل لاسترداد الأرض وحماية العرض، ومناقشة المواضيع ذات الصلة التامة بما يحدث في محافظات الموصل وكركوك وصلاح الدين، وعلى وجه الخصوص نزوح عشرات الألوف من العوائل المسيحية والأيزيدية والتركمانية الى شعاب الجبال، وعيشهم القسري هناك بلا مأوى وغذاء وماء.
إن من يملك ذرة وطنية من هؤلاء المغردين خارج سرب الوطن والمواطن، لطوى صفحة التصريحات وترك الـ (دفاتر العتيگه) التي ينتقي من صفحاتها مواضيع رئيسة في نقاشاته او خطبه، او يجعل منها مادة للقاءاته التلفازية وجعلها جانبا، وعليه صب اهتمامه وتوجيهه بأخذ ما آل اليه البلد على محمل الجد والواجب المشرف، ومناقشة ما يجدي نفعا في درء المصائب المترتبة على ازدراء الوضع الأمني، وعليه الخروج من قوقعة النظرة الضيقة التي تولدت نتيجة السياسات التي مر بها البلد، والتي أدخلت مفاهيم وقيما خاطئة الى المجتمع، فضلا عما هو محمل به أصلا من ضغائن طائفية وأحقاد عرقية، وإن لم يرمِ كل هذه الأفكار والسلوكيات خلف ظهره قبل مسك الـ (مايك) وبداية مؤتمره او خطبته او لقائه، فهو وشراذم داعش توأمان متماثلان يشتركان بذات الخطورة على البلاد والعباد.





