علي علي
علم العراق.. هذا الرمز الذي لعبت به الأقدار طيلة (82) عاما أيما لعب..! فقد شهد اليوم الثالث من تشرين الأول من عام 1932 احتفالا برفع اول علم عراقي فوق سارية مقر عصبة الأمم المتحدة مع أعلام الدول الأخرى، حيث صدر قرار مجلس عصبة الأمم بقبول العراق عضوا مستقلا فيها، بعد إلغاء الانتداب البريطاني على العراق. وقد عُد دخول العراق عصبة الأمم كأول دولة عربية مستقلة آنذاك، مكسبا وطنيا وقوميا بارزا، وأظن ان الفرحة تغمر كل مواطن يشعر بالانتماء الى هذا البلد، وتملأ الغبطة قلبه حين سماعه خبرا مثل هذا، سواء أكان هذا بالأمس ام اليوم ام غدا!. فقد قال ملك العراق فيصل الأول حينها مانصه:
(أن العراق أصبح حرا طليقا، لاسيد عليه غير إرادته.. نحن احرار، مستقلون). وطلب من الصحفيين أن يكتبوا ذلك إلى الشعب بأحرف بارزة قائلا لهم: (اذهبوا بين إخوانكم وانشروا عليهم كلماتي هذه.. إنني وبلادي مستقلون، لاشريك لنا في مصالحنا، ولارقيب علينا بعد دخولنا عصبة الأمم إلا الله سبحانه وتعالى).
وما من عراقي سوي لايفرح لخبر او حدث يعود لعراقه بالخير، او يحقق له الأمن والاستقرار، وإبعاد الشريرين عنه ووضع القيود والأصفاد في أقدام وأيادي من تمكن منهم في غفلة من الزمن من تنفيذ مخطط معادٍ، اوهدف شخصي اوفئوي اواقليمي، يبتغي النيل من ذرة من ترابه اومن حقوقه او سيادته بين الدول. وقطعا كل هذا من شأنه ديمومة اشتراك العراق مع باقي الامم في السير معا في ركب التطور الحضاري، من دونما عراقلة او تلكؤ او تقهقر، يفصل العراق عن باقي الدول، ويضعه في رفوف المقاطعات والممنوعات والمحظورات ببنودها وفصولها التي عهدناها، كما حدث ويحدث منذ ستينيات القرن المنصرم، يوم جثم على صدر العراق شبح البعث وتوأمه النظام القمعي الدكتاتوري، الذي حقق مقاطعة المجتمع الدولي للعراق رسميا عام 1991 نتيجة عنجهيات قائده الضرورة وبهلوانياته الرعناء غير المدروسة.
وعلى هذا المنوال أتت وجوه وشخصيات حكمت العراق والعراقيين، ورحلت أخرى وتبدلت حكومات منها أحسن من سابقتها ومنها أسوأ، والعراقي المسكين بين تصفيق للجيد والحسن منهم، وبين من يثور ويتظاهر على السيئ من دون جدوى، فيما كان ساسته يستمرون في تقليبه بين أسنة رماحهم ويتقلبون عليه.
هكذا هي سيرة شعب وادي الرافدين العريق، وهكذا يعيش أبناء بلاد مابين النهرين الموغل في الحضارات والقدم، فالاحتلالات رافقت العراقيين (من الگماط) إذ ما إن خرجوا من احتلال إلا وقعوا تحت ظلام الانتداب، وماإن تخلصوا من انتداب حتى وقعوا تحت أسر انتداب مبطن، وحين شعت في طريقهم أنوار الحكم النزيه والشريف، تمركز نظام دكتاتوري دموي في مفاصل البلد، وراح يعيث فيها فسادا وخرابا وتخريبا لبنية الإنسان العراقي، وهي خطة مرسومة كان قد أعلن عنها رئيس النظام المقبور حين قالها بلسانه: (سأسلِّم العراق ترابا)، وقطعا هو لايقصد الأبنية والجسور والبنى، بل هو يقصد أصغر خلية في بنية المجتمع وهو الفرد العراقي، فراح يحاصره بأساليب العيش لينتزع منه القيم الأصيلة والمثل السامية، ويزرع بدلها مانرى بعضه في يومنا هذا متفشيا بين كثير من العراقيين، الأمر الذي وضع حجر الأساس للفساد بأنواعه.
اليوم يرفع العراقيون علمهم ذي الـ (82) عاما تحت راية حكومة جديدة بدءًا من رئيسها، وخلال أسابيع قليلة تظهر أسماء باقي أعضائها، فهل يتحقق بهم أمل العراقيين بالخلاص تماما من مخلفات ماعانوه في عقود أعمارهم الماضية.. يقول مثلنا:
(الخبر اليوم بفلوس باچر بلاش).





