حازم لعيبي
لسنا من الشعوب المتسامحة وليس في ثقافتنا قيم القبول والرضا وما يترتب على ذلك سلوكياً، الاعتذار تربية مجتمعية تبدأ من داخل العائلة الصغيرة وتمتد الى تربية الاطفال على فنها في المدارس. وليس غريباً ان يقع شخص مثلي في مأزق تربوي مع آخرين قد تربوا وعاشوا تحت سلطته: أي ان قال أحدهم لك أعتذر عن فعلتي هذه، فما عليك سوى قبول أعتذاره وينتهي الامر عند ذلك.
حدث لي هذا عام ٢٠٠١، حينها كنت أعمل محاسبا في موقف سيارات وسط مدينة فينكس، وفوجئت ان اربع شابات جميلات دخلن دون ان يدفعن الاجرة، كن مسرعات وغير مباليات لتواجدي في الغرفة الصغيرة والمبردة والمخصصة لجمع الاجرة مقابل صف السيارات، فسرعان ما قفزت من مكاني وتوجهت راكضاً بإتجاههن وعلى طريقتي العراقية العنترية بدأت اصرخ وأصرخ، وكن واحدة بعد الاخرى يقدمن أعتذارهن لي Sorry, Sorry وأنا أقول لهن No Sorry , No Sorry واستمر الحال سوري نو سوري، سوري نو سوري… حينها كانت لغتي الانكليزية بسيطة لا بل كنت لا أجيدها، الى ان جاء المدير المسؤول عن موقف السيارات ذاك، وبعد ان عرف ما حدث بالضبط ارتسمت ابتسامة على وجهه وسارع بقبول الاعتذار وقدم عرضاً مجانيا لهن و طلب مني الرجوع الى مكان عملي، بعد ان انتهيت ذهبت الى غرفة العمال وكان السيد المدير ينتظرني هناك قال لي: انا أشكر روحك الوثابة هذه وأشكر حرصك هذا، لكن إن حدث شيء مثل هذا في المستقبل وقدم لك زبون الاعتذار عن خطأ ما ارتكبه فما عليك سوى قبوله مشفوعاً بابتسامة، ورغم بساطة قاموسي اللغوي تمكنت من فهم ما قاله ذلك الرجل وتعلمت ذلك لا بل بدأت اتمرن عليه كثيراً، اذ حدث ان وقعت في اشكالات اكبر لكن وبسبب ذلك الدرس كنت أخرج منها بعد ان أتقبل الاعتذار وأرد بأحسن منه.
بعد أكثر من عشر سنوات ها أنذا أعمل مع مجموعة من العراقيين اذ يتجاوز عددنا الخمسين، وبسبب العمل يحدث ان تقع في تمشكلات مرة مع س ومرة أخرى مع ص، ولكي اكون اكثر صراحة وصدقاً تمكنت من أن أقدم اعتذاري الى خمسة من أصل ستة وأتسامح مع نفسي لهم عما أقترفوه بحقي إذ كانت الاسباب مختلفة، وكنت اختار المناسبات والاعياد لتقديم اعتذاري او حتى مناسبات احتفالية عامة اي اقدم الاعتذار امام مجموعة كبيرة من الناس، لكنني لاحظت وللأسف الشديد ان البعض منهم لم يتقبل الاعتذار وأصر على موقفه رغم اني أعتقد ان الموقف النبيل بحاجة على الاقل الى نوع من القبول السلمي، لذلك فان الاعتذار أو التسامح بحاجة الى ممارسة لا تقف عند قبولها المشروط بالخسران والربح بقدر تعلقهما في نسيان سبب المشكلة والذهاب الى ما بعد، لا التمسك في الماقبل.
وأنا استرجع ما حدث لي مع الشابات الشقراوات الجميلات وكيف كن يرددن لي سوري سوري رغبت ان نعلم أبناءنا وكل الذين نعرفهم ان واحدا من أهم دروس الاعتذار هو قوة وفروسية لا ضعف وتنازل.
و بمناسبة الاعتذار فانا اليوم اعتذر الى كل الذين احبهم من ابناء بلد ما بين النهرين و أتأسف لما حدث من كوارث ومصائب جلل وأدعو الجميع لقبول اعتذاري وإبلاغي بذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، أنا أعتذر إذن..! أنا موجود…





