كتاب الحقيقة

كريم الخزعلي مفخرة في زمن الفساد

عدنان الفضلي

   في الوقت الذي جاس العراقيين الجوع الكافر، وصار الحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الماضي ينال من كرامة الانسان العراقي، وبات الموظف العراقي يستلم راتباً لايكفيه ليومين، لجأ كثير من الموظفين العراقيين الى ايجاد أعمال بديلة او ثانوية تساعدهم في الحصول على لقمة العيش، وتمنع الحاجة عن عوائلهم، وضمن هذا المشهد إنحرف كثير من الموظفين، وصارت الرشوة هي البديل لسد نفقاتهم، حيث اصبحوا حينها يبتزون المواطنين ويطالبونهم برشى مقابل انجاز أعمالهم، لكن هذا الإنحراف لم ينل من الجميع، بل أصر  بعضهم على حفظ كرامته واخلاصه في عمله.
   اسوق هذه المقدمة وانا أستذكر حالة من حالات الإخلاص والسمو والرفعة عن كل غوايات المجتمع العراقي المبتلى بالمفسدين والانتهازيين، وهو صديقي مدرس اللغة الإنگليزية (كريم الخزعلي) في ثانوية الصدرين للمتميزين/الرصافة الثالثة، فهذا الرجل كان مثله مثل ملايين العراقيين الذين نالهم الابتلاء بالحصار الإقتصادي في تسعينيات القرن المنصرم، وحتى سقوط النظام الدكتاتوري الوحشي عام 2003، فهو كان يتقاضى راتباً لايكفي لإعالة عائلته لمدة يومين او ثلاثة، ومع انه كان يستطيع تحسين دخله عبر طرق الفساد المنتشرة آنذاك في قطاع التعليم، من خلال منح ابناء الميسورين درجات عالية مقابل مبالغ مادية عالية، تجعله في مصاف الطبقات (المسترخية)، او من خلال بيع الأسئلة الإمتحانية على الطلبة القادرين على الدفع، لكن كريم الخزعلي ..المشبّع بالفكر اليساري والمنتمي لعائلة محافظة، لم تستطع كل غوايات الفساد ان تسحبه الى تلك المنطقة المنحطة، فقاوم كل المغريات وأوجد لنفسه حلولاً تحفظ له كرامته وتمنعه من السقوط في هاوية الإنحراف.
    كريم الخزعلي في تلك السنوات العجاف لم يبق مهنة شريفة الا وعمل بها، من دون ان تدفعه تلك المهن الى التقصير في مهنته او مهمته الحقيقية وهي ايصال رسالته التعليمية بكل تفاصيلها، فهو ورغم عمله كبائع علكة (علچ) في الشورجة ومدينة الثورة التي يسكنها، فان مهنة التعليم كانت عشقه الأول، لذلك كان طلبته يعتزون به وهو يجعلهم يحققون النجاح من دون ان يتعرضوا للإبتزاز من قبل كثير من المعلمين المنحرفين، كما ان كريم الخزعلي عمل في مهن أخرى، كانت تجعله يغامر بحياته من أجل ان يوفر قوت عائلته، حيث كان يذهب الى كردستان متخفياً لجلب البضائع، ومن ثم بيعها في أسواق بغداد، معرضاً نفسه للإعتقال من قبل عسس البعث ومجرميه بأية تهمة جاهزة يمكنهم إلصاقها به، مثل تهمة العمالة للكرد في ذلك الوقت، وقد كنت معه قبل اكثر من شهر في سفرة الى كردستان، وهناك قصّ علي كثيرا من قصص المغامرات التي كان بطلها، وذلك حين مررنا بأمكنة شهدت تلك المغامرات.
    اليوم ومع التحسن المقبول في رواتب المدرسين، مازال بعض أصحاب النفوس الدنيئة يمارسون الإنحراف بذات الأساليب القذرة التي تفشت في قطاع التعليم، ومنها بيع الأسئلة وتلقي الرشاوى مقابل منح الدرجات العالية لغير مستحقيها، لكن كريم الخزعلي مازال محتفظاً بذات المبادئ والأخلاق، التي لم ولن يساوم عليها مهما كانت المغريات، فترى طلبته في ثانوية المتميزين ينالون اعلى الدرجات ويحققون نسب نجاح كاملة، حتى انه ولخمس سنين متتالية تحقق مدرسته نسبة النجاح الكاملة في المادة التي يدرسها (الإنگليزي)، الأمر الذي نال من خلاله إحترام كل من حوله، حتى صار مدير مدرسته الاستاذ(علي محيسن غضيب) يرفض أية محاولة لإبعاد الخزعلي عن هذه المدرسة كونه يعتز به وبجهوده في جعل سمعة المدرسة تتفوق على نظيراتها .
   كريم الخزعلي يمتلك صفات أخرى تجعله محبوباً من قبل الجميع، ومنها خلقه الرفيع وشهامته وصدقه وخفة دمه وشجاعته وكرمه، وكذلك ثقافته ووعيه العاليين، فضلاً عن امتلاكه روحا وطنية عالية، تجعله يرفع دائماً شعار (العراق أولا)، وهو الشعار الذي يحصننا من جميع المغريات التي تسحبنا الى مناطق الفساد.
والعراق من وراء القصد
نسخة منه الى:
وزارة التربية للانتباه الى هذه المفخرة العراقية..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان