وجيه عباس
مثل غيري من العراقيين، اكتشفت الطفولة بعد أن وصلت الى عمر النبوة وأعني بها الاربعين، ومثل غيري من العراقيين المكَرودين لم اجد الطفولة، أتذكر أنني حين سلّمت عليها ،رددت على ذاكرتي: لسه فاكر!!..وصادف ان احد اولادي”أبو طويلة” يملك في صغره ساقين تشبهان ساقي سعيد عويطة، ولمن لايعرفه فقد كان يحمل سيقان أشبه بسيقان الممثلة يسرا..وهاتان الساقان يعرفها الجميع …حتى الموامنة!!، كنت احب ان احتضن ولدي وانام لاعود طفلا معه، لكنه دفعني ذات مرة بحركة مفاجئة أين منها حركة عدنان درجال في مرمى مرديكا…بحركة صغيرة واحدة من قدميه اللتين لاتشبهان حتى سيقان نبيل شعيل!، دفعني برجليه من فراشي الذي كنت انام في طرفه،أحب أن أنام في هامش السرير منذ قرأت سورة ياسين وعلمت ان الله يحب الذين يأتون من أقصى المدينة، والمدينة سرير وطني نتساقط تحت شراشفه مثل عواهر خسرن حياءهن منذ أول ابتسامة رئيس وزراء أبله وحتى رشوة اصغر موظف في البلدية، انقلبت على وجهي في الارض ولم اسمع في ظلام الليل سوى: طُب!!…ليلتها بقيت سهرانا الى الغبشة وانا اتصور يوم موتي وهو يدفنني مع اخوته!!، مع قناعتي ان كلمة “طُبْ ” هي نفسها التي نقلها لي صديقي الكربلائي المرحوم الشاعر محمد الغريب عن لسان” منكاش” حين سأله عن كيفية اسقاطه الهليكوبتر الاميركية في زمن الصحاف فقال: بوية ياطيارة…آني ماسمعت بس كلمة …تُبْ!!.
لاشيء مجاني في العراق سوى الموت، والانتماء الى الاحزاب، ومادمت مستقلا يحمل عار” وُلدَ في بغداد ويموت فيها”، فقد قررت أن أنتمي الى وطني الذي نهشته ذئاب الاحزاب حتى أبقى محتفظا بشرف الفقر!!، وبقيت مثل غيري انتظر الزائر الاخير الذي يحب لحم العراقيين الذين يسلمون أرواحهم إليه عن طيب خاطر.
في قلبي تنّور من حزن يوقده عود كبريت واحد، وحين ينفجر …يسيل العراق على خدي، لكنه على الرغم من بلاغة الدخان التي لاتشبه بليغ ابوكلل، يخرج منه رغيف ابيض الوجه واليد واللسان ليشبع الجائعين الى وطن نشتريه بالمفرد فيبيعنا بالجملة!، الموت يتسابق مع حياة العراقي مثل كلب يركض خلف عتوي، الحياة تمنح المواطن العراقي شهادة الميلاد… ودفتر الامراض المزمنة ليس ابتداء بالضغط وليس انتهاء بالسكّري ومجلس النوّاب العراقي ودموع تماسيح النائبات!.
الحياة تغيّر وجوهها وكأنها ديكور لموت مجاني مؤثث، البيوت التي تركتها قرب بيت اهلي القديم، عدت اليها وقد وجدتها حملت وأنجبت بيوتا أخرى كثيرة، اتذكر بيوتنا الجميلة حين كانت تحمل وجها واحدا، وفوجئت انها الان أكثر نفاقا من قبل، ربما لانها كشفت عن وجوهها الجديدة مثل السياسيين، حتى بيوتك ياعراق تحمل الف وجه وكأننا في حفلة تنكّرية، تذكرت الوجوه القديمة التي فارقتنا وكأنها رسائل من عزرائيل عليه السلام تقول: أنكم في الاثر…الشوارع التي ركضنا فيها صغارا تحوّلت الى جوامع وحسينيات…لدينا تطرّف حتى في الايمان الى الحد الذي فتح الجميع مكاتب دلاليات لبيع اراضي الجنة بإسم الله!.
الكل في وطني يطالب بالتغيير وكأن على العراق أن يسلخ جلده مثل افعى عملاقة حتى يرضى الآخرون عنه!…أي آخرون يمكن أن يرضوا عنك ايها الوطن الوحيد الذي خرج من ملجأ الايتام وهو يبحث عن أبنائه واحداً…واحداً… ولم يعثر على أحدهم الا في مقابر الغرباء!، داعش دخلت الموصل لتغيّر رئيس الحكومة في بغداد!!، والوزراء مطالبون بتغيير سكرتيراتهم خوفاً من زوجاتهم، والدوائر الحكومية مطالبة بتغيير الاثاث واعضاء لجان المشتريات من اجل تحسين الوضع المادي والمعنوي للسيد المدير العام تحت شعار”الأقربون أولى” بالمصروف!!، وعليك أيها المواطن العربي الشريف الذي لايعرف من العروبة سوى شريفة فاضل أن تقنع بحتمية التغيير الفوري وتحرير فلسطين عن طريق الأدعية، عليك أن تكون مواطنا عالميا تدعم أي حركة تحرر في الكون وتتناسى في نفس الوقت مايجري على تراب وطنك من حرث في البحر، عليك ان تؤمن بضرورة انكار المسلّمات ولااعني المسلمات اللواتي يتسابقن الى جهاد النكاح…دع عنك المطالب الضيقة التي تذكرك بالملابس الداخلية، وحدها الملابس الداخلية التي تحفظ بلوي العرب تستحق أن تمثل أكبر لافتة رفض في تاريخ العرب منذ المهلهل وحتى سيد خوصة!، ايها المواطن الفطير عليك ان تطالب بالمولّدات الخرساء مادمت تعيش في جلباب كاتم الصوت!!.
كيف تريدون من قلبي الصغير ان ينام وهو يحتضن وطنا مثل العراق، كلما اخيط من “هون ينفتكَـ من هون”! فتسيل الكلمات مثل اسمائنا التي تركناها هناك في الارض الحرام وعدنا نحمل نوط شجاعتنا على سرير ليس باستطاعته ان يحتفل برجولة أي منا!!.كيف تريدون مني أن اغفر لبلفور وعده الشهير ووطني يتقاسمه البلفوريون الجدد؟..قلبي الصغير يشجب مثل قطيع من الجاموس يقوده صوت كلب نابح لايملك سوى ترديد نبحة واحدة لايفهمها القطيع بالكامل، ربما ظن هذا القطيع ان نباح الكلب ثورة جديدة يقودها كلب سيصعد على هامة الوطن!.
ايها الواحد في زمن الكثرة، لماذا كلماتك الكبيرة تنسيك رأسك الصغير المملوء بقمل العروبة؟ لماذا تتجرأ وتطالب الامم المتحدة بحل جميع القضايا العالقة في السبتتنكَـ مادامت السعودية وقطر تزعلان من هذا الطلب الذي لم يختم عليه بموافقة اسرائيل؟ ولماذا حين تقول: بلاااااااااااادي…ينهمر الرصاص عليك وكأنك تدعو لدين جديد لايمر بيثرب من جديد؟ اقنع نفسك ان يثرب التي احتفلت باول دولة اسلامية هي نفسها التي ذبحت الاسلام وجرته بحبل الى الجاهلية مثل بعير لايملك اوراقا ثبوتية وفوق هذا وذاك هو مقتنع انه سيصبح “جريذي” من الصوندات قبل أن يثبت كونه بعير ابن 16 بعير!.
ابق في وطنك الاسلامي الصغير هذا الذي يختن النساء في الشمال ويبيع الايزيديات بمائة وخمسين دولارا لأن ذكور السياسيين لم ينظروا ابعد من ملابسهم الضيقة التي تشبه حساباتهم الوطنية!!، همومك المتواضعة تطالبك ان تناشد الوزراء ان يقيّموا الوضع الجديد الذي لايشبه الوضع القديم…احمل كل ماتملك من البيض وطالب وزير التجارة بالتعرف على وكلاء الحصة التموينية!، طالب وزير الصحة ان يدخل الى اقسام الطوارئ من دون ان يسحب احد حمايته الاقسام بوجه أي مريض يحمل مرضا متعديا بخروف العلّة، اعلم ان وزير الكهرباء ينتلك وانت تطالب بحجزه في غرفة لم يتحرك فيها الهواء بسبب موت مروحة كهربائية يتيمة…
لاتنس ان تكسر فوق رأسك الصغير كل ماتحمله من البيض حتى يتوهمون انك مصاب بمرض “ابوصفار” فذلك افضل من تهمة الخيانة والتخابر مع دولة معادية للديوك العراقية!.





