كتاب الحقيقة

خوش وصفة

حازم لعيبي

 في كل زيارة دورية يصف لي طبيب العائلة الدكتور صادق أن أتوقف عن مشاهدة القنوات الفضائية الاخبارية العربية، وذلك بعد سؤاله عن علاج جيد لصداع لا يفارق رأسي ويقول أيضاً: إنها افضل طريقة للتخلص من القلق والالم ولا حاجة قط الى حبوب مسكنة أو مهدئة.
 ولمن لا يعرف الدكتور صادق كمال، هو من أصول شيعية لبنانية، هاجر الى اميركا حين كان طفلاً وعمل في شبابه بائع صحف ومهن اخرى، وتمكن بأجتهاد قل نظيره من تكملة مسيرته العلمية ليتخرج طبيباً له عيادته الخاصة في مدينة أڤينديل أريزونا، كما ان الدكتور صادق يعد ناشطاً مدنياً واجتماعياً وكثيراً ما ترى أسمه يتصدر اعمالا خيرية للجالية العربية والعراقية خصوصاً، ربطتني صداقة بصادق الدكتور ودارت بيننا احاديث عن السياسة والوضع الملتبس في منطقة الشرق الاوسط.
   كلما ذهبت الى عيادته في زيارات اعتيادية “كونه طبيبي الخاص” كان يحدثني بمحبة الانسان عن رؤيته وموقفه وامنياته في ان تتحسن اوضاع العراق وشبيهاتها من دول المنطقة، وله في ذلك اراء جريئة وغريبة وخوش طروحات في ذلك، والدكتور يستعمل مفردة خوش العراقية بطريقة لطيفة وفي بعض الاحيان في غير محلها كبديل عن معنى جيد في الفصيحة، مع هذا فطريقة تلفظه لمفردة خوش تأتي بسياق مفهوم ومقبول بشكل عام،
 في زيارتي الاخيرة قصّ لي خوش قصة قد حدثت له قبل اشهر عندما اتصلت به زوجته أثناء فترة استراحته عن العمل لأمر طارئ طالبةً منه العودة الى البيت وحال وصوله اكتشف ان قطة زوجته تعاني من وعكة صحية مما أضطرها الاتصال بزوجها الطبيب ليرافقها في الذهاب الى احدى مراكز الطوارئ المخصصة للحيوانات المنتشرة في ارجاء المدينة، وبعد عرضها على المختصين واعطائها العلاج توجها الى المحاسب لدفع مبلغ الكشفية والدواء وكان بحدود ال (250 دولارا أميركيا)، وفي طريق عودتهما الى البيت قال الدكتور صادق لزوجته: أما كان من الافضل ان نشتري قطة أخرى بسعر أقل بكثير مما دفعناه ثمناً للعلاج!!! لكنه اردف قائلاً لي: كنت لا أعني كلامي ذلك والحقيقة ان ما فعلته قد أسعد زوجتي واسعدني كثيراً وعولجت قطتنا الجميلة وأطمأنينا عليها والحمد لله.
 بعدها تحادثنا في ما حدث ويحدث في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين لينهي ما بدأه في البدء كنوع من الحل إذ يعتقد الطبيب البشري ان الوصفة المناسبة لتخليص مجتمعاتنا الاصلية مما تعانيه من مشاكل ربما متعلقة بتربية الحيوانات اذ قال: من الصعب ان نحلحل او نتخلص من مشاكلنا اذا لم نتمكن من الوصول الى هذا المستوى العالي من الرفق بالحيوان والكل يلاحظ كيفية الاهتمام وتلك العناية الكبيرة بالقطط والكلاب هنا، وها نحن انا وزوجتي أكثر حناناً وعناية بالقطة ونوفر لها طعاماً جيداً ومأوى مناسباً وكذلك نعتني بها صحياً ليس نحن فقط فالكثير غيرنا يرفق بكلاب وحيوانات أليفة وغير أليفة وقد صار أمر تربية الحيوانات ظاهرة أجتماعية ترتبط بالمجتمع الامريكي، بعدها أو قبلها سيكون من السهل علينا الرفق بالانسان الذي خلقه الخالق بأحسن تقويم.
 لكثر إنشغالنا بما حل من مصائب على ارض الديانات صرنا نقدم حلولاً قد تبدو للبعض غير واقعية، طبعاً من خلال زاوية نظر ابناء بلداننا، وهو ذلك النصف المؤلم والمرير الذي يعيشه لحظة بلحظة كل من لم يغادر البلد، ومن يرى المشهد وتفصله عنه بلدان ومحيطات يقدم “خوش وصفة”، إننا من هذا التمني على الاقل نحاول بما نمتلك من قدرات تأملية او واقعية أن نساهم في تقديم بعض التصورات لما يبدو أكثر التباساً من ذي قبل، وأنا شخصياً سوف ألتزم بوصفة صديقي الدكتور صادق وأبتعد عن الچنلات العربية او العراقية وما يبث من على وسائل التواصل الاجتماعي من ڤيديوات لا ترفق بالانسان ولا القيم الانسانية، وسوف أفكر بتربية حيوان أليف وأعتني به كثيراً قدر استطاعتي، ولست بحاجة الى دليل يؤكد ما قاله صادق فهو قد صدق، فأن لي ابن خالة كان يعشق تربية الكلاب ومن عرفه يعرف “الرفيق بوبي”، كان ابن خالتي هادئاً ورقيقاً ولطيفاً وغير عدواني ابداً وكريم النفس وأبيّا وكرامته مقياس وجوده والآخرين،كل هذا بسبب هواية تربية الحيوانات والرفق بها، والذي للأسف انتهى وجودياً بأستشهاده قبل زواجه بأيام، نعم غادر حياتنا قبل ان تزداد توحشاً وشيطنةً إنسانية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان