عدنان الفضلي
البارحة وأنا أقلب وأتصفح في موقع التواصل الإجتماعي (فيس بوك) صادفتني مادة كتبها الزميل والصديق الشاعر (فارس حرام) رئيس اتحاد أدباء النجف،وكانت عبارة عن قصة لقاء جمع الصديق فارس مع أحد الناجين من مجزرة (سبايكر)، ما شدني للموضوع اولاً هو ان الرواية مختلفة عما تناقلته وسائل الاعلام لهذه القصة، وحتماً ان ثقتي بالزميل فارس حرام اكثر من أجهزة الاعلام مجتمعة، كوني اعرف الرجل وهو لا يحتاج لشهادة كونه مبدعا عراقيا اصيلا، كما شدني تركيز فارس على المحتوى الانساني للحكاية، فهو ركز على قضية التعايش السلمي بين العراقيين، وكيفية تواجد الأصالة بداخل مجتمعنا رغم كل ما قدمه بعض الساسة من جهد لتمزيق النسيج الاجتماعي من أجل مصالحهم ورغباتهم المدافة بالحقارة والسفالة.
فارس حرام وهو يطرح لنا الحكاية ركز على موضوعة مهمة وهي بإمكانية قيام مشروع عراق مدني تعددي بعد ٢٠٠٣.. حيث يورد الصديق الكيفية التي تعامل بها أهلنا السنة مع أحد الناجين من المجزرة وكيف ساعدوا الشاب ابن الديوانية والمدعو علي، وهو شيعي، والطريقة التي أنقذوها فيه من عصابات داعش، وهي قصة يقول عنها فارس حرام ” غرائبية تشبه مقطعاً من فيلم سينمائي هوليوودي، ابسط مشاهدها انه بقي ثلاثة ايام متخفياً في جرف نهر بين القصب وسط مجموعة قرى في تكريت”.
هذه القصة التي أترككم معها تستمعون فيها بالروح الوطنية والانسانية التي يتحلى بها كثير من العراقيين الذين لم يتأثروا بالمد الطائفي الذي أتى به الأسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، من خلال الصراع الدامي على السلطة.
يقول فارس حرام وهو يقص علينا تلك الملحمة: “الشاب علي”، كان بين من تم رميهم بالرصاص من شبان سبايكر، ولم تصبه رصاصة، لكن دم من كانوا قربه انتثر عليه فالقى نفسه على الارض وسط جثث الشهداء، فنفعت الخدعة، ثم كان ان اختفى في الليل بين القصب بمحاذاة جرف النهر، ثم اضطر بعد حرق جماعات داعش القصب الذي كان يختفي فيه لكي يتأكدوا من خلوه من أي هاربين.. اضطر الى عبور النهر ليلاً وان يطرق اول باب يصادفه في المجهول الذي ينتظره في الضفة الأخرى من النهر، وكان هذا البيت بالمصادفة لاسرة من البوعجيل كما اخبرني علي. ولما ادخلوه وطمأنوه واعطوه ملابس جديدة واكرموه، قاموا بنقله خفاءً لاسرة اخرى من عشيرة اخرى نسيت اسمها، تقطن في منطقة ابعد من مكان الحدث، للتأمين عليه، ثم قامت تلك الاسرة بإبعاده هي الأخرى الى مكان ابعد، وكان هذه المرة عند الشيخ خميس جبارة شيخ الجبور في ناحية العلم، الذي قتلت داعش اخته وقتها في الحادثة المشهورة، وكانت القاعدة سابقاً قد قتلت أباه لرفضه التعاون مع القاعدة.. وقد بقي الشاب علي في بيت الشيخ خميس جبارة اياما كثيرة (اظنني سمعت من علي انها ثلاثة اسابيع) حتى صنعوا له هوية احوال مدنية منحوه فيها اسماً جديداً يشير الى انه من ابناء تلك المناطق (بمعنى انه “سني”).. حتى تم اجلاؤه الى اربيل بمعية اسرة فيها نساء واطفال من تلك المناطق، لتسهيل عبوره في السيطرات، حتى عاد من اربيل الى اهله في الديوانية”.
ثم يكمل الصديق فارس سرد تفاصيل ما بعد الحكاية حيث يقول “في اتصال هاتفي بالشيخ خميس جبارة، سمعت منه بصورة مباشرة ان “الشاب علي” لم يكن هو الشخص الوحيد الذي أوته بيوت ابناء محافظة صلاح الدين، وبدأ يذكر لي بعجالة عدد الجنود “الشيعة” الذين فتح لهم “السنة” ابوابهم هناك واووهم، واخفوهم عن انظار داعش، ثم قاموا بتسريبهم فرادى ومثانيَ تحت جنح الليل، وبمراحل متتالية، لكي يصلوا الى اهلهم في الوسط والجنوب سالمين… ثم ارسل لي الشيخ خميس صورة الشاب علي عندما كان متخفياً في بيتهم وهو يؤدي الصلاة مع احد ابناء الشيخ خميس، صلاة شيعي بجوار صلاة سنيّ في بيت لا يملك ازاءه المطارد الخائف الا ان يثق بمروءة أهله، وكان حقاً ان بيت هذا الشيخ وسائر البيوت التي آوت الشاب علي وآوت غيره من “الشيعة”، في تكريت وسائر المدن المنكوبة بداعش، بمحافظات الموصل وديالى والانبار، لكي يصل الشباب المستهدفون الى أهاليهم، أقول.. كانت بيوت اخواننا السنة هذه عند المروءة وكرم النفس والشعور بوحدة المصير الذي يجمعنا معاً في بلادنا.. وكانت مصداقاً لما يردده العراقيون منذ التاسع من حزيران الماضي: إن داعش لا تمثل سنة العراق”.
والآن اترك سؤالي المهم وهو بعد ان سمعنا هذه القصة، هل نعود ونستمع للإعلام المضلل الذي يريد اقناعنا ان العراقيين لم يعودوا مؤتلفين ومتحابين تماماً، وان التقسيم هو الحل، أظن ان في هذه الحكاية رداً قوياً على هؤلاء الخبثاء، وصفعة على وجوههم القذرة، وهي درس وعبرة لمن يريد ان يعتبر.





