تشير الصور التي تنشر يومياً في وسائل الاعلام، الى تحوّل مدينتي الموصل في العراق، والرقة في سوريا، الى بيئة ظلامية، يسودها اللون القاتم، لكثرة اليافطات والشعارات والرايات السوداء التي يتخذها تنظيم “الدولة الاسلامية” المعروف بـ”داعش” رموزا له، في المناطق التي يسيطر عليها.
واللون الاسود لدى العراقيين والشعوب الاسلامية، يحمل معاني الحزن والتبجيل، وارتبط بالتاريخ الاسلامي، حين فتح المسلمون تحت ظلال الرايات السوداء والخضراء والبيضاء، الامصار، ناشرين بين الشعوب، الرحمة والتسامح والتعايش المشترك ، وليس الذبح والقتل.
الا ان تعمّد “داعش” ابراز الرموز الاسلامية في اعمال القتل والذبح، ساهم في تشويه معنى اللون وحوّله الى رمز “دموي”، قدر تعلق هذا اللون بممارسات التنظيمات الارهابية.
ويتحدث احد افراد العصابات الارهابية وهو يحمل راية سوداء يحركها بيده، في مقطع فيديو، عن فتوحات قادمة ترفرف بها “راية الاسلام السوداء”، على دول ستنْظم الى “الدولة الاسلامية”.
وما ان ينتهي بكلامه حتى يبدأ بتحريك يده الممسكة بذراع الراية، التي بدت ترفرف مع تيارات الهواء.
وفي مدينة الرقة السورية، طلى افراد داعش، مقراتهم باللون الاسود، فيما تحوّلت المحاكم الشرعية الى كتلة سوداء بعدما طُليت ايضا بهذا اللون، الذي بات الرمز الاكثر دلالة على التنظيمات الارهابية.
وحين اجتاحت قطعان “داعش”، الموصل في العاشر من حزيران/يونيو الماضي، طُليت المباني المهمة في المدينة باللون الاسود ، ما افقدها قيمتها العمرانية والجمالية، ولم تسلم المباني التراثية من ذلك.
كما صُبِغت واجهة عريضة من مقر مطرانية الكلدان بالموصل بحي الشرطة، باللون الاسود ايضا، بعد تحطيم التماثيل والايقونات في الداخل ، والقائها في صناديق النفايات.
وتحت ظلال رايات سوداء وشعارات اسلامية، يشوّه داعش من صورة الاسلام السمح عبر عمليات الذبح وجز الرقاب.
و من وجهة نظر فنية، فان هذا اللون، هو الاكثر تعبيراً عن المشاهد التي يرسمها التشكيلي قتيبة عباس بالفحم، مشيرا الى انه “لون حساس، يحرك المشاعر، ويجسد التفاصيل اكثر من اي لون آخر”.
فيما يقول فان الباحث النفسي والمتابع لمناهج التنظيمات المتطرفة، فائز السلطاني، ان “هذا اللون استثمرته (داعش) لقداسته لدى المسلمين، في سعيها الى ايهام الناس بارتباطها بالتاريخ والدين”.
ويستدرك “كانت هذه الراية عبر تاريخ المسلمين رمز للتسامح لكن (داعش) حوّلتها الى رمز للقهر والدموية”.
وفي العراق، والكثير من البلدان العربية ، فانّ من دلالات اللون الاسود، الحزن والفراق، حيث يرتدي العراقيون السواد في حالات المصيبة بفقد عزيز، وفي المناسبات الدينية، في ذكرى استشهاد شخصيات اسلامية معروفة، لأنه لون “اسلامي” بحسب وصف رجل الدين، أحمد الياسري.
وبحسب الياسري، فان اللون الاسود يدل على الوقار والهيبة والحزن المبجّل، لكن التنظيم المتطرف حوّله الى عنوان للقتل والارهاب والذبح.
ويتطابق حديث الياسري مع حديث مفتي مصر إبراهيم نجم، الاسبوع الماضي، من ان “داعش” جماعة إرهابية تشكل خطرًا على الإسلام والمسلمين، وتشوه صورته عبر استخدام شعاراته لأغراض شريرة.
ويقول نجم ان “عصابات داعش الارهابية كافة مبادئ الشريعة والمقاصد العليا لها، بل وحتى القيم الإنسانية، ويشوه صورة الإسلام”.
وعلى صعيد تشويه “داعش” للدين الاسلامي ، دعا نائب رئيس ديوان الوقف الشيعي علي الخطيب عبر(IMN)،الى “مؤتمر عالمي لفضح فكر عصابات داعش التي تشوه صورة الاسلام”.
و أضاف الخطيب” من الضروري عقد هكذا مؤتمرات، لإظهار حقيقة الإسلام للعالم”.
وعلى مر التاريخ استُخدِم اللون الاسود شعاراً ، لدول وتنظيمات وحركات سياسية ودينية ، وكانت الرايات السود شعارا للدولة العباسية.
ويعتقد افراد التنظيم انهم يتبعون “السنة النبوية” في ارتداء اللون الاسود، ما جعل زعيم التنظيم، أبوبكر البغدادي، يظهر بعمامة وملابس سوداء خلال خطبة الجمعة بمسجد بالموصل.
وقال تنظيم “داعش” في تغريدة على حسابه في “توتير” ان “البغدادي حين دخل الموصل، قلّد قادة المسلمين الذين فتحوا مكة وهم يرتدون السواد”.
وتعرّف اللغة العربية “الاسود” بانه “لون كلون الفحم ينتج من امتصاص أشعّة النُّور امتصاصًا تامًّا”، والعرب تسمِّي الأخضر الشَّديد الخضرة “أسودا”.
فيما يشير الفيزياوي جعفر حسن الى ان الالوان هي نتاج لما يعكسه الجسم، ومن طبيعة “الجسم الأسود”، امتصاص الضوء الواقع عليه، على عكس “الجسم الاحمر”، الذي يمتص جميع الألوان.
وتحت اليافطات والرايات السوداء دأب تنظيم “داعش” على إلباس ضحاياه اللون “البرتقالي”، وهو يهم بذبحهم.
وفي مقاطع فيديو، ارتدى الصحافي الأميركي جيمس فولي، والذي خُطف في سوريا نهاية 2012 آخر ثوب له باللون “البرتقالي”، قبل ذبحه في 19 اغسطس/آب الماضي، فيما هدد التنظيم، بذبح الصحافي ستيفن جويل سوتلوف، بنفس الطريقة.
انّ رمزية هذا اللون، توحي بتعاطف “داعش” مع معتقلي “غوانتنامو”، وجلّهم من افراد تنظيم “القاعدة” والمتعاطفين معها وكانوا يرتدون البدلات “البرتقالية” في السجن.
فيما يعتبر محللون سياسيون ان اللون “البرتقالي”، هو محاكاة لما دأبت عليه السلطات الأمريكية من إلباس المعتقلين والمتهمين في السجون بدلات بهذا اللون.
ان الاختباء خلف الشعارات الاسلامية، والتظاهر بالتديّن، ورفع الرايات الاسلامية، لم يمنع من تجلي حقيقة التنظيم الارهابي الذي يعتمد على الترويع كوسيلة لبقائه واستمراره، فسرعان ما ادرك الناس الصورة الحقيقية للتنظيم التي تختبأ خلف هذه الشعارات والالوان، ليعبّر الفنان التشكيلي عقيل خريف، في مجسّم تشكيلي المعنى الحقيقي لـ”داعش” في المخيلة الجمعية، حيث يُظهِر المجسّم ، أفراد “داعش” في هيئة كتلة بلاستيكية ، “سوداء”، صُنِعت من بقايا جِلْدٌ سَمِيكٌ في أَسْفَلَ حِذَاءِ هَرِئ.





_1617644865.jpg)



