من الملاحظ في السنوات الاخيرة تحول أرصفة شوارع بغداد إلى صيدليات مفتوحة يبتاع المواطن منها الادوية على مدار الساعة دون الحاجة لوصفة طبية، اذ تحتوي صيدليات البسطات هذه على جميع أنواع الأدوية وتنافس الصيدليات من جهتي العرض والاسعار حيث نجد الاقراص وزجاجات الدواء تفترش الأرض بشكل عشوائي وعلى الراغب في دواء معين أن يبحث عنه وسط أكوام الأدوية دون الحاجة الى مراجعة طبيب مختص او صيدلاني.. فهذا الدواء للصداع وذاك لتقوية الاعصاب وآخر للتقلصات المعوية، والغريب أنها معرضة لأشعة الشمس طيلة فترة عرضها والتي حتما قد فقدت مفعولها من سوء الخزن.
تحقيق : سناء الحافي
أسئلة كثيرة محيرة لا نجد من يجيب عليها، وأشد ما نخشاه استمرار وبقاء تلك الاكوام من السموم الطبية التي تعانق الارصفة في اسواق افتقدت للرقابة و القوانين ، حتى صار الباعة والبائعات من ذوي المهن الطبية لأن فترة ممارستهم للمهنة مضى عليها اعوام لعدم وجود الرقيب ،وفي حالة وجوده فسرعان مايرشى وتقيد الدعوة ضد مجهول.. دون محاسبته من المتاجرة بارواح الناس . والاغرب في ذلك ايضا نجد المواطن يساهم مساهمة فاعلة ومؤثرة في تفاقم هذه الظاهرة بشرائه الوصفات الدوائية من هؤلاء الباعة وأحياناً اعتماده كلياً عليها حتى وإن كان يعلم بأنها غير مضمونة النتائج أو رديئة المنشأ أو غير مفيدة ،إذ إنه يستسهل الثمن الامر الذي يقابله الإهمال المتعمد من قبل الجهات المختصة حيث يحتاج إلى معالجة فعلية ووقفة حقيقية للحد منها لعدم استمرار تفشي هذه الظاهرة الخطيرة…( الحقيقة ) من خلال هذا التحقيق حاولت التعرف و البحث في خفايا هذه الظاهرة والوقوف على العوامل التي ساعدت على أنتشارها و معرفة الاسباب الحقيقية وراء سكوت المؤسسات الرقابية حول الاستمرار ببيع الأدوية على الأرصفة كما تباع الخضراوات ولعب الأطفال و الملابس.عند تجولنا في اروقة احدى الاسواق الشعبية التقينا بأحد باعة هذه الصيدليات لمعرفة المستوى الدراسي وعلاقته ببيع الادوية .. فاجاب قائلآ :
( تركت الدراسة وأنا في الابتدائية وانا اعمل في هذه المهنة منذ مدة فأنا أساسا بائع خضروات ففي فصل الشتاء توقف عملي فعملت في بيع الادوية لحين مجيء موسم بيع الرقي حيث واجهت بعض الصعوبة حيث كان يكتبون لي على كل علبة دواء أسمه باللغة العربية ولا اعرف حتى طريقة استخدامه فعندما ياتي شخص ويطلب مني دواء معينا فأني أبحث عن أسمه ( العربي ) وأعطيه له دون معرفتي بالدواء وبعد ان وجدت الربح الوفير في المهنة وخصوصا الادوية الممنوعة قررت البقاء على بيع الادوية وترك بيع الرقي وتعلمت الشي البسيط من القراءة والكتابة .وان مصدر هذه الادوية التي أبيعها هو مذخر أهلي لااستطيع ذكر أسمه واغلبنا نبيع على التصريف بمعنى اعادة المتبقي من الادوية الى اصحاب المذاخر وان اكثر انواع الادوية بيعا لدي (حبوب الفاليوم ،حبوب الهلوسة ،منشطات الجنسية ).المستشفيات الحكومية .. المصدر الرئيسي لصيدليات الرصيف!اما صاحب أحد المذاخر الذي طلب عدم الكشف عن اسم المذخر واسمه تجنبا ً للإحراج حسب تحدث عن الأدوية التي تصل إلى أيادي هؤلاء الباعة وبهذه الكميات الكبيرة عن مصدر آخر غير المذاخر لتسرب تلك الأدوية الا وهو طريق بعض ضعفاء النفوس في المستشفيات ،فكثيرة هي الطرق الملتوية لسرقة تلك الأدوية ومن ابرز تلك الطرق حين يكتب الطبيب الوصفة لأحد المرضى فإن الصيدلي يصرف نصفها والنصف الآخر تأخذه أيادٍ ليعرض خارج المستشفى على الأرصفة أو من خلال بعض المضمدين الذين توجد لديهم طرق مختلفة في الحصول على الادوية وتوجد لديهم انواع من الادوية تعجز أقوى المذاخر وأكبرها من الحصول عليها.
الأدوية الصينية تحتكر الاسواق !!
مضيفا أن الأدوية المزيفة ايضا انتشرت بشكل واسع في العراق نتيجة الانفلات الأمنى لتضليل المستهلك المريض موضحا أن العراق عرفت خلال الـ4 سنوات الأخيرة انتشار الأدوية المزورة أو المقلدة خاصة الصينية، وأصبح الدواء يباع فى الشارع وفى مخازن الأدوية ثم الصيدليات الخاصة، مشيرا إلى أن نسبة الأدوية المغشوشة والمقلدة تمثل نسبة 20% من تجارة الأدوية فى العراق ، وأن الأدوية الصينية غير مصرح بها من قبل وزارة الصحة فهى تأتى مهربة توزع على الصيدليات باستهداف العقاقير المرتفعة الثمن فتقوم بتقليدها فى الشكل فقط، أما المضمون فلا علاقة له بالأصل…مؤكداً ان المخاوف من الأدوية المغشوشة ايضاً ليست وليدة الساعة بل تعود إلى مطلع عام 2003، بعد تدمير قوات الاحتلال الغازية للمؤسسات العراقية، واختفاء الرقابة على الأدوية، لتبرز ظواهر غش الدواء والعملة والأغذية، وانتشار ظاهرة ما أطلق عليه اسم (صيدليات الأرصفة)، إذ يجد المريض احتياجاته على هذه الأرصفة ولا يجدها في الصيدليات. لقد تفاقمت هذه المشكلة الخطيرة بعد ان وجدت الكثير من تلك الأدوية الفاسد والمغشوشة طريقها إلى باعة الأرصفة بدلاً من الصيدليات، نتيجة الفساد الإداري الذي وصل الى نسب كبيرة جدا، ما جعل المريض لا يفرق بين دواء صالح للاستعمال تم تهريبه من مخازن وزارة الصحة الحالية، وأدوية فاسدة وقاتلة لا يعرف مصادرها.
الأدوية المخدرة والمنشطات الجنسية تباع ” على عينك يا تاجر ” على الأرصفة
و يشير الصيدلي كاظم حسين بهذا الشأن قائلاً: ( ان بيع الادوية والعقاقير الطبية والمضادات الحيوية على الارصفة وفي الطرقات العامة ظاهرة خطيرة جداً لم يألفها المجتمع العراقي من قبل لما لها من تأثيرات سلبية على الصحة العامة وحياة الانسان، لقد دخلت الينا مع دخول قوات الاحتلال الى العراق وانتشرت بسرعة بسبب الفوضى العارمة وضعف الرقابة وغياب القانون!.فشراء الدواء من خارج الصيدليات الرسمية الخاضعة لقوانين وزارة الصحة، والصيدليات الاهلية الحاصلة على الموافقات الاصولية لممارسة مهنة الصيدلة يعد خرقاً واضحاً لتلك القوانين واذناً لكل من هبّ ودبّ ان يمارس عملية بيع الدواء بصورة غير مشروعة.
الأدوية الاسرائيلية تباع بعلامات مزورة!!
موضحاً أن العوامل التي ساعدت على انتشار هذه الظاهرة كثيرة منها ضعف الرقابة الصحية وعدم توفر الامن والتجاوز على القوانين نتيجة الفوضى التي عمّت البلد بعد سقوط النظام السابق حيث ادت الى تدفق انواع كثيرة من الادوية والعقاقير الطبية من مناشيء مختلفة وعبر الحدود المفتوحة بين العراق ودول الجوار كتركيا وايران والاردن والكويت على أيدي تجار ومهربين متخصصين، وبتشجيع من جهات مغرضة حيث يتم الترويج لها، حيث أن قسم من هذه الادوية (اسرائيلية) الصنع منتهية الصلاحية تنزع عنها العلامات القديمة التي تشير الى المنشأ ومدة صلاحيتها وتستبدل بعلامات جديدة مزوّرة لشركات ادوية اجنبية وهمية!.وقسم آخر يتم تسريبه من المذاخر الاهلية ومذاخر المستشفيات وتشمل ادوية الامراض المزمنة كأمراض القلب والضغط والسكري وحبوب الصداع (البراسيتول) والامراض الجلدية والبولية والحبوب المهدئة علاوة على المضادات الحيوية والمنشطات الجنسية التي تباع بكثرة ..
البطالة و الفقر دافع لامتهان الصيدلة على الارصفة!!
اما المواطن محمد جبر وهو احد اصحاب (البسطيات) يقوم ببيع تشكيلة من الادوية والعقاقير على الرصيف ، سألناه عن الاسباب التي دفعته لمزاولة هذا العمل فقال:
– الحاجة والبطالة والفقر هي السبب، لم اجد امامي اي فرصة للعمل كي اعيل عائلتين سوى هذه المهنة فلجأت لمزاولتها!.فقد تعودت على ممارسة هذه المهنة لأنها تدرّ عليّ المال الكافي لسد نفقات معيشتي أما بخصوص مصدر الادوية التي يبيعها اجابنا قائلاً: ( احصل على هذه الادوية من التجار الذين يجلبونها من المذاخر الاهلية وما يتسرب من مذاخر المستشفيات وكذلك عن طريق المهربين القادمين من منطقة (كردستان) في شمال العراق.فالتقينا بالمواطن ناذر الحديثي فسألناه ايضا وهو يحمل بعض الادوية بين يديه عن سبب اقتنائها من البسطات فاجابنا قائلاً: ( اولا انا اعرف علاجي حيث انا من اصحاب الامراض المزمنة ثم هناك فارق كبير بالسعر بائع الارصفة يبيعنا العلاج بنصف القيمة واحيانا بربعها اما الصيدلاني يبيع العلاج بضعف سعره ويتناسون ان مهنة الطب هي مهنه انسانية قبل كل شي فكثير من الاطباء واصحاب الصيدليات يجرمون بحق الفقراء واصحاب الدخل المحدود فاحيانا لارحمة في قلب ملائكة الرحمة لذالك نتركهم ونتوجه الى البائع المتجول تاركين امرنا لله عز وجل..
الأدوية على الارصفة : معرّضة للتلوث و التسمم !!
اما الصيدلي عدنان ابراهيم صاحب مذخر للأدوية فيبدي رأيه قائلاً: ( ان سبب انتشار هذه الظاهرة بالدرجة الاولى هو البطالة المتفشية بين افراد المجتمع، فيندفع الشباب لمزاولة بيع الادوية بشكل غير مشروع، فمنها ما هو على شكل حبوب مخدرة واخرى مسكرة وهناك ادوية صلاحيتها منتهية، اضف الى ذلك انها معرضة للتلوث لأنها مكشوفة في الشارع باستمرار، وعدم حفظها بشكل صحيح وفي مكان بارد يعرضها للجفاف، ونتيجة تناولها تؤدي الى التسمم ومضاعفات خطيرة على صحة الانسان وربما تؤدي به الى الموت لأنها لا تصرف عن وصفة او استشارة طبية!.اما فيما يتعلق بتسرب هذه الادوية من المذاخر فلا صحه له، فهناك رقابة مشددة عليها وقد تحدث حالة او حالتين احياناً لكن هذا الحال لا يمكن تعميمه على الجميع وكما أسلفت ان اغلب المذاخر الاهلية مراقبة تشرف عليها فرق ولجان التفتيش التابعة لوزارة الصحة ،مشيراً أن مهنة الصيادلة فأصبحت تجارة مربحة، فهناك عمليات تأجير لشهادات ممارسة المهنة وعمليات متاجرة بأدوية مهربة، وليس مستغربا أن تجد من يعطيك دواءك في الصيدلية إنسانا لا يحمل الشهادة الابتدائية، وهنا إمكانية الخطأ واردة بنسبة 90 في المائة. وكانت وزارة الصحة في الحكومة الحالية قد اعترفت بوجود أدوية وعقاقير فاسدة يتم تصنيعها داخل المنازل ولا سيما في العاصمة بغداد، ووجود عصابات تقوم بتصنيع الأدوية في العديد من مناطق العراق، وبيعها للمرضى بأسعار رخيصة.. فيما تطالب الدكتورة رغد السهيل الإعلام بأخذ دوره في توعية المواطنين بخطورة تعاطي الأدوية المعروضة على الأرصفة وقالت لـ “الحقيقة” : “إن الأدوية التي تباع على الأرصفة حتى لو كانت صالحة. فبمجرد تعرضها لهذا الجو الحار فإن الأدوية ستفسد وإن المواطن لا يعرف ذلك. لذا غانا أشدد على دور الإعلام ويفترض أن يكون هناك برامج خاصة في التلفزيون والإذاعة لمناقشة هذا الموضوع وليكن التركيز على المناطق الشعبية لأن الإنسان المثقف ممكن أن يكون لديه فكرة في حين أن المواطن في المناطق الشعبية ممكن أن يشتري الدواء من الرصيف بحجة أن سعره أرخص”. بقي ان نقول :في الوقت الذي نترصد كل ظاهرة سلبية ونسلط عليها نودّ أن نشير أن هدفنا من خلال ( الحقيقة ) ليس مطاردة الناس في ارزاقها بقدر ما نطمح في حماية ابناء شعبنا من كل انواع الاستغلال و ذلك حتى لا يستغل المواطن في صحته و حياته دون اي احساس بالذنب من المافيات و تجار السوق السوداء و تفاديا ايضا من خسارة فلذات اكبادنا او ابائنا وغيرهم.. لذا نأمل ان تمارس الجهات ذات العلاقة بعلمية ومنطق للحد من تفشي هذه الظاهرة التي تنخر في صحة ابناء شعبنا .





_1617644865.jpg)



