منذ نيسان 2003 وحتى اليوم انجزت الكثير من النصب والتماثيل واوجدت لها مكانا في ساحات وتقاطع الشوارع العامة في مختلف المدن العراقية والكثير منها تعرض للنقد من قبل المختصين والمهتمين, حيث قيل ان ما يحصل في ساحة التشكيل العراقي جزء من الفوضى التي ضربت مفاصل الحياة ومنها الفن بعد سقوط النظام الدكتاتوري , والغريب ان اغلب هذه التماثيل ان لم يكن كلها لا يعرف الفنانون الذين صمموها الا على نطاق ضيق ولا يعرف ايضا الكيفية التي قبل بها العمل . وفي قضايا مثل هذه يبدو الامر اقرب الى الغموض منه الى الكشف والوضوح . الفن في الساحات العامة هو رسالة عمومية تحمل موروثا وقيما فنية ترتقي لها وتقبلها نظرات الناس على انها مثال ما يمكن ان يصعد اليه الفن حتى وان كان عصيا على الفهم اللحظي جريدة (الحقيقة) قامت بهذا الاستطلاع لمعرفة كيف انجزت هذه التماثيل والنصب ومن هم فنانوها ؟
تحقيق – سناء البديري
للمواطن رأي
المواطن نبيل ياسر (40سنة ) يؤكد ان هذه النصب غير مفهومة للناظر العراقي والمواطن البسيط حيث قال “
“بصراحة النصب التذكارية التي نراها في العراق هي نصب ايحاؤها للناظر غير مفهوم على الاطلاق , ونحن نحمل المسؤولية من قام باعطاء الموافقة على تجسيد هذه الرموز بهذه الطريقة لانه من الواضح جدا انه غير مختص بهذا الشان بل وحتى المختصين للاسف الشديد نجدهم يهتمون بالربح اكثر من الجانب الفني والابداعي في العمل ,كما ان العراق ليس ببلد غريب على فنون النحت والنصب والتماثيل في الساحات العامة بل يزعم النقاد انه البلد الرائد في الحركة التشكيلية التي تضمنت انجاز عدد من التماثيل في الاماكن العامة والتي اصبحت ايقونات تعرف بها صورة عراقية (فمحمد غني حكمت )وقبله (جواد سليم) و(خالد الرحال) و(اسماعيل الترك )كلهم اسماء تركت الفضاء العراقي بأروع المنجزات الباقية ليومنا هذا . “المواطن ابو أية (50 سنة ) كان له هذا الرأي حيث قال :”اذا كان النحت هو احد الفنون التي تدل على المستوى الثقافي والفني لأي مجتمع وهو انعكاس لنموه الروحي والعقلي , فأن مشهد النصب والتماثيل في عراق ما بعد 2003 كشف انه لا يمر فقط بفوضى عارمة أتت على المنجز الجمالي والثقافي والفني بل كشف ان مدرسة النحت العراقي بتاريخها العريق ومنجزها الكبير قد تعرضت لأهتزاز يصعب قياس حجمه ما تركته تلك النصب من تخريب .”المواطنة عذراء ساهي (28 سنة ) روت لنا قصة (الأسود البلاستيكية )في ساحة الطلائع قائلة “بعد الحقبة الاخيرة لعام 2003 قال البعض من الطارئين على الفن ان (محمد غني حكمت ) قام بتشييد اهم النصب في العراق ونحن سننتج نصب اخرى على غرار اعماله القيمة , واول نصب رأيناه في بغداد كان خطيرا بالمعنى والشكل حيث تم استيراد (أسود من الصين ) مصنوعة من البلاستيك على غرار ساحة السباع التي تحتوي على تماثيل من الأسود والتي نحتت بطريقة جميلة ومذهلة . والان وبعد مرور (60 سنة ) من تاريخ النحت في العراق قامت جهة مجهولة باستيراد أسود من الصين بلاستيكية مع حفنة من الورود ووضعها في ساحة الطلائع في منتصف بغداد, ولا اعلم بالتحديد من هو ومن الذي استوردها وما الهدف من ذلك بالتحديد ؟ ومن المؤكد ان بهذه الأسود البلاستيكية تجاوزنا محمد غني حكمت وانجازاته وتحولنا الى افضل حال !!!!!
مجهولو الهوية
الاستاذ الاكاديمي حازم مطر تحدث لنا في هذا الموضوع قائلا :
“في الحقيقة نحن فنانون واساتذه اكاديميون ولنا باع طويل في هذا الجانب ولحد الان لا اعرف بالتحديد من انتج هذه الاعمال ,ولا اعرف من وافق عليها ومن هي الجهة المسؤولة عن تخريب الذائقة الفنية فهذه الاعمال انجزت بطريقة كاريكاتيرية ومسيئة للشخصيات التي جسدتها , على سبيل المثال التمثال الذي انجز في مركز بغداد الثقافي والذي كان للشاعر الكبير (محمد الجواهري) هو في الحقيقة اساءة لتاريخ العراق لان الجواهري تاريخ العراق وتاريخ الثقافة العراقية وتاريخ الصوت العراقي الجميل الأصيل ,وهذا التمثال لا يمثل باي وجه من أوجهه جزئية صغيرة من الشاعر الجواهري .
أعمال مرتجلة النحات علي عبد الزهرة كان مع رأي الاستاذ مطر حيث يرى ان اغلب هذه الاعمال مرتجلة وعملت على تخريب الذائقة الفنية للشارع العراقي حيث قال “لم اسمع بأسم فنان له بصمة وله امكانياته الكبيرة وله تاريخه في عمل هذه التماثيل والنصب التي نراها في الساحات العامة وهي اغلبها مرتجلة تنفذ بشكل غريب بحكم علاقة الفنان بالمسؤول او بالدائرة الفلانية كما انهم لا يعرفون بالتحديد المغزى من هذه العملية , لذلك تجد المسؤول يعطيه الموافقة وينفذ العمل . وبحسب ما حدثني به السيد المدير العام عن دائرة الفنون ان هذه الاعمال اغلبها بعيدة عن وزارة الثقافة , وبعيدة عن اللجان الفنية وكثير من الاعمال التي شاهدناها رفضت من قبل دائرة الفنون ولكننا نجدها قد نفذت دون علم الوزارة وبدون علم اللجنة الفنية والتي تنفذ بأفكار ساذجة ومواضيع بسيطة جدا وغير مدروسة تماما .”
فوضى التشكيل
النحاته بثينة خليل من كلية الفنون في هذا الخصوص قالت :
“فوضى التشكيل هذه التي نجدها في الشارع ونبرة التشاؤم التي يتحدث بها المعنيون لم تلق اهتماما من قبل المختصين ,ونعني بالاهتمام هنا ان تترك مساحة واضحة لذوي الاختصاص من الفنانين المعروفين ومن المؤسسات الاكاديمية كي يكون لهم دور في ما ينجز من اعمال وقد لا يكون الدور هنا اناطة العمل بصورة مباشرة بهم وانما على الاقل ان ينجز هذا الكم من النصب والتماثيل تحت اشرافهم ومراقبتهم وتقييمهم والامر فيه من الابعاد ما يستحق الدراسة .”هجرة النحات بشير الوائلي عول على هجرة النحاتين والفنانين الكبار سببا لهذه الفوضى التي نجدها في الباحات المهمة للشوارع الرئيسية حيث قال :”للاسف الفنانين الجيدين وهم من القلائل هاجروا خارج العراق , لشعورهم بالإحراج كونهم لم يتمكنوا من الحكم على العمل باعتبارهم يفتقدون للصلاحيات ولا يستطيع أي منهم ان يعطي رأيه والرأي الأوحد دائما للأداريين , والاداري ينطلق من مسؤوليته حيث يطمح لأن يكون الاخرين في تحمل للمسؤولية معه خوفا من عيون وتربص النزاهة .”كما أردف قائلا “للاسف من قام بهذه الاعمال ليسوا من المشهورين في الساحة الفنية بل هم غير معروفين وانما بعضهم مبتدأ بشكل بسيط جدا وبعضهم حسب ما اعرف غير أكاديميين ولا يملكون الخلفية الدراسية لمادة النحت ,وبذلك هم نفذوا هذه النصب بشكل اساء الى العمل بل شوه المشهد الفني في العراق .” واضافت: “اشد الامور غرابة في النحت العراقي اليوم هي غموض اسماء الكثير من الفنانين الذين انجزوا اعمالا نحتية وجدت مكانا لها في الساحات العامة . غياب الفنانين المعروفين عن الصورة فتح المجال واسعا لأنجاز اعمال يراها المختصون مسيئة للشخصيات والاحداث التي تجسدتها وما يجري يفتح الباب واسعا امام الشك ليس فقط في عمق وجمال المنجز بل في أحتسابه بالاصل تطبيقا لقواعد وأصول فن النحت “
المزاجية تحكم
النحاتة هناء عبد علي وعللت اسباب التشويه لمزاجية هؤلاء حيث قالت :
“بعد 2003 تعرض البلد الى اهتزاز بنيوي وبالطبع تمخض عنه نتائج وخيمة وجزء من هذه النتائج هي نتائج ثقافية وجزء من هذه النتائج الثقافية هي الفن, فبعد 2003 سقط السياق العام وفجأة تحولت العملية الى (المزاجية ) فكل مؤسسة وكل دائرة وكل حلقة لا يوجد سياق يحكمها ثقافي أو فني وتسير الامور على هواها ومزاجها الخاص والتي دائما ما تكون قراراتها ارتجالية وسريعة ولا تستند على رأي سديد وعلم وهذه الحقبة بقت في العراق لمدة اربع سنوات من الاعتماد على المزاجية فقط , أما بعد 2003 حدث خراب للذائقة الفنية على الرغم انه انجزت بعض الاعمال الفنية التي ترتقي الى مستوى فني جيد مثل عمل (طه وهيب ) و(نجم القيسي ) ولكن ما انجز لاحقا وبشكل غير مدروس سواء في محافظة البصرة والمركز الثقافي في شارع المتنبي للاسف تمثل اعمال رخيصة في الذائقة الفنية لا تتناسب مع الشخصية التي يتم تجسيدها ولا تمثل من قريب او بعيد تاريخ وفن العراق المليء بكبار الاعمال , على سبيل المثال نصب الشهيد ونصب الجندي المجهول وهما من النصب العالمية على مستوى التشكيل المعماري وعلى مستوى التشكيل الفني أما بعد 2003لم تكون هذه الفترة اعادة لأنتاج الفن والجمال والحياة بالعراق للآسف الشديد بل كانت اعادة انتاج الخراب. ” النحات بشير الوائلي اعرب عن شعوره بالصدمة مما يشاهده في هذه الساحات حيث قال :” نحن نشعر بالصدمة بل هي مجموعة من الصدمات في ان واحد وكيف نعالجها, وبصراحة لا نملك حاليا اي معالجة انية ونحن الان بشكل شخصي قمنا بشن حملة كبيرة على صفحات الفيس بوك على هذه التماثيل ولكن ليس هناك من يسمع , ويتوقعون نحن نريد استبدال أعمالهم هذه بأعمال لنا , وهذا غير صحيح على الاطلاق نحن نخشى على فن النحت في العراق ان يعتاد هذه المهزلة .”
النحاته هناء عبد علي تشارك ايضا
في نفس الرأي
“بالتأكيد لا أحد يعرف بالتحديد من هؤلاء لأنه لو كان هناك فنانون ومعروفون وعندهم تجارب ما ظهرت لدينا مثل هكذا نصب متخلفة والحقيقة أنها تسيء لسمعة البلد لأن الوطن مثل البيت ولا يمكن لأنسان يوافق أن يشتم اوان يكون احد افراد عائلته مدعاة للسخرية , واعتقد هذا ما يعملون عليه حاليا تحويل ساحاتنا الى منبر للسخرية والاستهزاء بنا وبتاريخ النحت في العراق.”
مكان النصب
النحاتة هناء عبد علي في هذا الخصوص استدركت قائلة :
“يشكل المكان التي توضع به النصب والتماثيل احدى زوايا قراءة العمل وتقييمه وكشف جوانب ومواطن الجمال فيه ولا يمكن قراءة النصب بمعزل عن المكان الذي توضع فيه , وانا أوكد ان الاعمال الفنية التي انجزت بعد عام 2003 لم تراع هذه الخاصية المهمة لذلك وضعت العديد من نقاط الاستفهام عليها , كما ان البعض يشير الى ان حضور الهندسة المعمارية مع النحات ضروريا كي يأخذ العمل صورته المثلى.” شاركها بالرأي النحات محمد جبر لازم قائلا “اي نصب يوضع في مكان يجب ان يمتلك مقومات اثنين الاولى هو زاوية النظر للنصب , بحيث من الممكن ان نستوعب النصب من جميع الزوايا المحيطة به ومن زوايا يعنى المصمم بدراستها .والثاني هو الجانب التعبيري فعند مرور اي شخص من نصب لا تستغرق رؤية النصب اكثر من ثوانٍ بالسيارة ,وماشيا يستغرق فترة قليله لذلك غنى التفاصيل التعبيرية وكثرتها قد يؤدي الى ضياع الموضوع الذي يريد ايصاله الفنان بل ونسفه بالكامل ومع الاسف في الكثير من النصب التي نشاهد صورها نجدها مخالفة من ناحية الرسالة ويصعب تفسيرنوع النص الذي يقصده ,على سبيل المثال جدارية نصب جواد سليم حيث كان الموكل بعمل القاعدة هوالمعماري رفعت الجادرجي حيث كان العمل ثنائيا بينهما وقد ركز المعماري على قياس الابعاد وكيفية مشاهدته من قبل المارة لذلك تم اختياره على منصة عالية يحملها عامودين لتوثيق هذه الرسالة اما النحات صاحب الفكرة وهو صاحب الرسالة الذي جسد قصة نصب الحرية بمراحل مذهلة .”باذنجانة وحصن في البصرة لم يكن وضع النصب والتماثيل وتجسيد الرموز بعيدة عن انتقاد المختصين ايضا من اهل الفن في المحافظة والذي شمل ايضا انتقاد مناطق تجسيدها ايضا……
من محافظة البصرة الاستاذ كاظم العبيدي كلية الفنون الجميلة قسم النحت قال
” نصب على شكل (باذنجانة وحصن ) هو اقتراح كلفته 8 مليار دينار والذي يقوم بالدوران حول نفسه هذا هو مخاض حضارة العراق من سومر الى جواد سليم .من الذي اقترحه لا اعلم والذي ليس له علاقة بالفن على الاطلاق بل يجب نقله من مكانه الى مدينة الالعاب كي يتفرج عليه الاطفال . من هو المسؤول عن هذا ؟ هل هي المحافظة ام مجلس المحافظة في وجود مثل هذا النصب الذي هو بلا معنى اصلا وكيف تم صرف هذه المليارات على عمل يثير السخرية كهذا .” النحات منير عبد الباقي شاركنا برأيه قائلا ” مزج الحداثة بالواقع في نصب الحرية في البصرة لم يكن مناسبا كما يرى المختصون فهم يرون ان على النصب ان يستلهم تاريخ البصرة وطبيعتها الاجتماعية والثقافية بالنظر الى ان موقعها في مدخل المدينة ومن المفروض ان يتيح للزائر فرصة التعرف على البصرة من خلال هذا النصب , وعندما نذكر مواقع هذه النصب والتماثيل لا بد لنا من ان نذكر مواقع الارتباط ما بين الفضاء والعمل الفني . ويجب تحديد هذه المحددات الاساسية او الثانوية ولا بد ايضا التركيز وعدم اهمال المحددات الثانوية خارج العمل الفني كالحزام الاخضر والنافورات والانارة .”
النحاته سرود نصير قالت :
“نصب الحرية في محافظة البصرة موقعه جدا مهم من خلال الفضاء الواسع لهذا المكان والبصرة تربط العراق بالخليج العربي ومن المفروض ان يكون هذا الشاخص فنيا جماليا ذا قيمة تعبيرية من خلال تنفيذ العمل بالمواد المختلفة ,سواء كانت برونز أم حديدا ولهذا نجد في هذا النصب الكثير من الاشكالات المعرفية حيث نجده يحتوي على الواقع والحداثة وكان يفترض على الفنان ان يختار نصب واقعي من الحياة الاجتماعية كي يكون معبرا ,ولكن المجتمع البصري تفاجأ بوضع نصب تعرض لأنتقادات شتى سواء على مواقع التواصل الاجتماعي او على ارض الواقع , وانا اعتبر هذا العمل بالتحديد لأثارة الضحك بين الناس لسذاجته . وخاصة ان الانسان البصري شديد الذكاء لانه يحمل صفة الاستكشاف والتحليل , والنصب كلف بحدود ما يقارب من 180 مليون فقط للنصب واود فقط ان اعرف هل تم عرض هذا العمل على لجنة مختصة في بعض جوانب التاريخ البصري والعمل الفني وتخطيط الحضري للمدينة .
النحاتة شروق محمد شاركت بنفس الرأي حيث قالت:
نعم هناك لجان ولكن لا احد يؤخذ برأيها وبالتالي نجد الكثير من التقييمات التي قامت بها هذه اللجان لا يؤخذ بها ولا تعد معايير وفلاتر والحكم على هذه الاعمال ,لذلك اعتقد ان تكون هناك لجان متخصصة ومن داخل مؤسسات مستقلة مثل كلية الفنون الجميلة وجمعية التشكيليين العراقيين حيث هناك نخبة من الفنانين الحقيقيين الذين يمتلكون قلبا على هذا البلد والذين ينوون العمل على تصحيح المسار الجمالي للبلد .”





_1617644865.jpg)



