تعد ظاهرة عمالة الأطفال من حيث الانتشار والحضور من أكثر الظواهر التي تنخر في جسد المجتمع العربي و تسلب من أطفاله حقهم في العيش و التربية و التعليم ، و ذلك من خلال الاثار السلبية التي تنعكس على المجتمع بشكل عام وعلى الأطفال بشكل خاص، ولقد أخذ هذا الاستغلال أشكالا عديدة أهمها تشغيل الأطفال وتسخيرهم في أعمال غير مؤهلين جسديا ونفسانيا للقيام بها، علما أن العديد من الاتفاقيات الدولية قد جرمت بدورها الاستغلال الاقتصادي للأطفال …حيث باتت ظاهرة تشغيل الأطفال تنتشر بسرعة مخيفة و خاصة في دول العالم الثالث و تؤرق معها كاهل الحكومات و المنظمات الحكومية و غير الحكومية التي تعتني بالطفل و كل حقوقه، اذ بدأت الدول في سنّ قوانين لتصحيح هذا الوضع وعدم الإساءة للأطفال بتشغيلهم. إلا أن المشكلة لا تزال قائمة ولا يزال تشغيل ملايين الأطفال يتم بشكل غير قانوني في بعض الدول ،وفي ظل ظروف قاسية لتصبح بذلك عملية لاستغلال المراحل الزمنية من عمر الطفولة بأعمال لا تتناسب مع القدرات العقلية والجسدية من اجل الحصول على منفعة اقتصادية أو هي ظاهرة تتحدد بالأعمال الثقيلة التي يفرضها مجتمع الكبار أو النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي على الأطفال من اجل استغلالهم وحرفهم عن المسار الصحيح للتربية والبلوغ ، أوهي ذلك الاتجاه المغاير لطبيعة الشروط التربوية والأخلاقية لنمو الأطفال ، والذي يفرض وقائع وأشكالا مختلفة من الاستغلال الاقتصادي والإنساني بشكل عام ….و من خلال أروقة –الحقيقة – حاولنا رصد بعض الحالات للتعرف على أهم اسباب و دوافع هذه الظاهرة هدفا منّا لتسليط الضوء على هذه الفئة العمرية التي تعاني من الاستغلال و الاجحاف من قبل المؤسسات و الحكومات و المنظمات الحقوقية لعلّها تمنحهم حق الالتفاتة و الاهتمام ….
تحقيق – سناء الحافي
عمالة الأطفال في العراق.. من مخلفات الصراع الاقليمي و الاحتلال !!
في العراق تشكّل عمالة الأطفال حالة من التراجع الإنساني والأخلاقي والتربوي ، بالرغم من وجود الكثير من الإمكانيات والثروات ، التي تحيط بهذا البلد ، إلا إن كل ذلك لا يقود إلى تجاوز هذه الظاهرة التي نشاهدها بشكل يومي وفي أماكن ومجالات ومناطق مختلفة من العراق ، وتاريخ هذه الظاهرة من حيث الاتساع والانتشار بدأ مع الحصار الاقتصادي الذي فرضته القوى الاستعمارية الكبرى ، في ظل هيمنة نظام دكتاتوري ، يبني القصور ولا يبني العقول ، لتشهد فيما بعد هذه الظاهرة ارتفاعا ملحوظا مع وجود الاحتلال الأمريكي وسيطرة نظام المحاصصة الطائفية والعرقية ، الذي أهدر مليارات الدولارات على مشاريع غير معنية بالتنمية والبناء بقدر ما تعنى بتأبيد عوامل الفساد والاستغلال المادي والمعنوي ، من خلال وجود آلية المشاركة في الثروة والسلطة بشكل ” تغانمي ” مصالحي إلى حد بعيد ، والنتيجة هناك التراكم المستمر للفقراء والأيتام من مخلفات الصراع الطائفي والإقليمي ، الدولي حول العراق .
في العراق.. صورة مأساوية للأطفال !!
150يتيما داخل كل مدرسة من مدراس بغداد…
ويرى حسن الربيعي أن صورة الظاهرة في العراق لها ابعادها الخاصة ولها اسبابها ومسبباتها الكثيرة لا سيما ان عقودا من الزمن عاشها اطفال العراق تحت وطأة القهر والاستبداد والتشرد كانت سببا مباشرا في نزوح الالاف منهم نحو العمالة في الشوارع وتعرض الكثير للتشريد واليتم والفاقة بسبب فقدان الاب او احد الابوين…..
وكذلك اعداد الارامل والترمل المستمر في المجتمع دليل على عمق هذه المأساة وحجمها حيث اشارت احصائيات بهذا الصدد الى وجود ثلاثة ملايين أرملة في العراق مما يؤشر الاعداد الكبيرة للاطفال الذين يعانون من الحرمان والعيش الكريم بالمقابل ساهمت الخطوات الهزيلة التي اتخذت طيلة تلك العقود الماضية وحتى ما بعد سقوط النظام واتساعها وعدم السيطرة عليها وافتقار المعالجات المناسبة للحد منه، حيث لم تشهد الساحة العراقية سوى تشريعات وكم هائل من القوانين التي تحرم تشغيل الاطفال وتعاقب من يشغلهم الا أن فاعليتها كانت ضعيفة ولم تحقق الحد الادنى من مستلزمات تطويق الظاهرة وايجاد الحلول المناسبة لها بدليل عدم وجود اية احصائيات دقيقة بهذا المجال ولم تتخذ اية عقوبات رادعة لمستغلي الاطفال سواء في الشارع او البيت او اي مجال اخر….
الحكومات و ممارسات خجولة ..للحد من الظاهرة !!
أما الباحثة الاجتماعية نهى درويش في حديثها الينا، أعادت التذكير بأن العراق من الدول الموقعة على اتفاقيات تمنع عمالة الأطفال منعا باتا وبالتالي فان من يدعو الى غض الطرف عن عمل الأطفال بسبب الظروف الاقتصادية انما يدعو الى عدم تنفيذ التزامات دولية اتخذها العراق على عاتقه ….
واعربت درويش عن الأسف لعدم وجود تشريع يحمي الطفولة في العراق محذرة من ان الطفل الذي تُهضم حقوقه برميه في الشارع ودفعه الى العمل في سن العاشرة مثلا سيصبح قنبلة موقوتة بعد عشر سنوات أخرى بسبب مخاطر انحراف التي تواجهه في طفولته..و أضافت أن المنظمات المهتمة بشؤون الطفولة تبين أن نسبة الأطفال العاملين في العراق ممن هم دون سن ١٤ بأكثر من ١٥ بالمائة، فيما تؤكد منظمات أخرى أن أكثر من ٣٠ بالمائة من العوائل العراقية تعيش في مستوى الفقر, ورغم أن العديد من الدول العربية مثل الجزائر ومصر والعراق والأردن وليبيا والمغرب وتونس والإمارات واليمن قد وافقت على الاتفاقية الدولية لمنع استغلال الأطفال لعام ثلاثة وسبعين والتي حددت الحد الأدنى المقبول من عمل الأطفال، فإن العديد من الدول العربية رفضت المصادقة عليها لأنها تلزمها بأمور أخرى مثل مجانية التعليم وإلزاميته..
في العراق ما يقارب مليون وثلاثمائة ألف طفل يعملون تحت السن القانوني !!
وتحدد الاتفاقية الدولية سن العمل الأدنى بثمانية عشر عاما للأعمال الخطرة وثلاثة عشر عاما للأعمال الخفيفة، وينخفض سن العمل حسب الاتفاقية في الأعمال الخفيفة إلى اثني عشر عاما في الظروف القاسية
اليوم في العراق ما يقارب مليون وثلاثمائة ألف طفل يعملون أعمال مختلفة، وهذا العمل بالنسبة للأطفال كان موجودا، بدأ في ظل الحصار الذي فرض على العراق واستمر إلى حد الآن. وهناك أسباب كالكوارث الطبيعية، الحروب، المرض، العوامل الاجتماعية، لكن العامل الرئيس في تزايد ظاهرة عمالة الأطفال كان هو الاحتلال الأمريكي على العراق وما نتج بعد ذلك من جراء الاحتلال، و هذه الظروف التي مر بها العراق أجبرت العديد من الأطفال على ترك الدراسة والعمل في الشوارع والتسول لمساعدة عوائلهم، لتصبح ظاهرة عمالة الأطفال ومشاهدة الطفل يتسول في الشارع من الصور المألوفة في شوارع العراق
أطفال الشوارع في العراق فريسة للجوع والاستغلال الجنسي خلال سعيهم لتحصيل لقمة العيش
وبات من الطبيعي لعدد غير قليل من العوائل المعدمة أن تجبر أبناءها على ترك الدراسة والعمل للمساعدة في سد الاحتياجات الأساسية للعائلة حتى أن كانت تلك الأعمال صعبة ومهينة, وهناك نحو سبعين ألف تلميذ متسرب عن مقاعد الدراسة في عموم المحافظات العراقية, في حين تقول منظمة اليونسكو: أن عدد الأطفال البالغين سن الدراسة الابتدائية الذين لا يرتادون المدرسة قد بلغ نحو مليونين….وتقول إحدى المنظمات الإنسانية أن طفلا واحدا من بين كل ثمانية أطفال في العراق يموت قبل بلوغه سن الخامسة نتيجة الأمراض والعنف….
المخاطر الصحية و النفسية من عمل الأطفال
أما الدكتور سعيد الدبعي أخصائي علم نفس ، يشير في حديثه لـ ( الحقيقة ) الى المخاطر التي يتعرض لها الأطفال أثناء عملهم و هم لا يبلغون السن القانوني لذلك حيث يتعرض الأطفال للمخاطر أثناء تواجدهم بالعمل وقد يؤثر ذلك سلبيا على نموهم ويعرضهم لاختلال في الوظائف الحيوية فهم اقل تحملا لمصاعب العمل والضغوط النفسية التي تصاحبه والذي يرافقه عادة عدم تقديم رعاية صحية لهم عند إلحاقهم بالعمل. هذا بالإضافة إلى أن معظم الأحداث العاملين يعانون من سوء التغذية والأمراض مما يؤدي لضعف مقاومة الجسم للأمراض المختلفة، ويتعرض الطفل العامل لكثير من المخاطر الصحية وأمراض المهنة وحوادث العمل ، ونبرز أهم هذه المخاطر فيما يلي:
** زيادة المخاطر الميكانيكية، وحوادث وإصابات العمل بين الأحداث عنها بين البالغين، وذلك لأسباب منها سرعة الشعور بالإجهاد نظراً لطول ساعات العمل بالنسبة للأحداث ونقص الخبرة وعدم الاهتمام بالتعليم والتدريب المهني مما يؤدى إلى الاستعمال الخاطئ للمعدات.
** التعرض للمخاطر الطبيعية مثل الضوضاء والحرارة الشديدة.
**التعرض للكيماويات والأحماض والقلويات والمذيبات العضوية والمنظفات ، وما ينتج عن هذه المواد من التهابات جلدية وحروق وسرطانتات وأمراض عضوية وعصبية أخرى.
** الآثار النفسية السلبية.
** التسرب الدراسي وزيادة نسبة الامية في المجتمع.
** هبوط مستوى الإنتاج من حيث الكم والكيف ، فقد نجد أطفالا يقومون بأعمال تحتاج إلى الدقة ،خاصة في مجال البناء. وتضخم حجم قطاع الخدمات غير الإنتاجية، مثل بائع الجرائد.
حالات و ضحايا الاستغلال في شوارع بغداد!
الظاهرة السائدة والشائعة في شوارع العراق وجود جماعة كبيرة من الاطفال تتراوح اعمارهم بين السابعة والخامسة عشر، متوزعين على مفترق الطرق لبيع الموز، القلة منهم يبيع لصالحه والغالبية تبيع لصالح الاخرين بمبالغ قليلة تدفع لهم نهاية اليوم وهذا قمة الاستغلال. بحيث تكونت عصابات لعمالة الاطفال تستخدم الطفل البريء في عملية البطالة المقنعة خدمة لاغراضها ومصالحها، وهذه ظاهرة خطيرة تهدد اطفالنا ومجتمعنا اذا لم تجد من يتصدى لها…الطفل احمد حسن والطفل محمود حسن من عائلة فلاحية يبحثان في حاويات النفايات بأياديهم الطفولية الغضة عن بقايا الأطعمة وعن بعض المواد التي يمكن اعادة تصنيعها مقابل اجور زهيدة …
أما (اكرم) طالب في الصف الثالث الأبتدائي يعمل في توزيع الشاي ولديه اربع اخوة …قمنا بسؤاله عن سبب عمله فجاءت اجابته بريئة براءة الطفولة حيث قال: (اعمل في العطلة كي اجمع المال لشراء الملابس الجديدة للدوام و لكي اقوم بمساعدة اهلي) وسألناه عما اذا كانت لديه امنية للمستقبل فأجاب: احب ان اكون طبيبا…
اما دافع العربانة سالم فقد اختصر الطريق ولم يدخل للمدرسة اصلا وهو يتيم الأب وببنيته النحيلة يدفع (العربانه ) لمئات الأمتار لكسب المال لمساعدة والدته والأدهى من ذلك ان (العربانه) ليست ملكه اصلا بل هو مستأجر لها….وهذا العمل من الاعمال الشاقة والوضيعة التي تترك آثارا سلبية على نفسية الطفل وبناء شخصيته في المستقبل، فمثلا لقب (حمال) سيظل يرافقه الى آخر عمره. ويعتبر هذا العمل من اشق العمال الجسدية على الطفل… ثم بعد ذلك انتقلنا الى الطفل (عبد الله) في الصف الثالث يعمل في بيع اكياس النايلون وفي معرض اجابته عن سؤالنا عن سبب عمله قال: (حالتنا المادية غير جيدة ابي عاطل عن العمل وانا مضطر الى العمل في السوق ) ثم التقينا زميله في العمل الطفل (كرار) في الخامس الأبتدئي وسألناه نفس السؤال ماهو سبب عملك فكانت أجابته كالأتي :. (والدي عسكري خرج من الجيش وهو كبير السن ومريض وانا مضطر الى العمل في السوق الأمرالذي جعلني اترك المدرسة وانا في الصف الخامس لأن المدرسة لها مصاريف ونحن غير قادرين على تحملها فنحن خمسة اولاد وثلاث بنات ونحن نسكن في بيت ايجار…
و أخيرا…و بالرغم من تفاقم هذه الظاهرة و انتشارها في أغنى بلد نفط عربي ،لم يتم لحد الان وضع اي مشروع عملي يعتمد على آليات قانونية لمعالجة هذه الظاهرة مما اسهم ايضا في شيوع الحالة واستهتار اصحاب العمل وتشويه هذا العالم الجميل حيث انتهكت محرماته وقدسيته وجماليته ولم تحرك صور اليتامى والمرضى والمعاقين وجامعي النفايات والعاملين في بيع الحاجات بالشوارع نوازع الخير وضمير الحكومات لاتخاذ اجراءات حاسمة بهذا الصدد ولم تتعد بعض الممارسات الخجولة التي لم ترتق الى مستوى خطورة هذه الظاهرة لانها ببساطة افتقرت الى العقوبات الرادعة والخطوات الاجرائية المتشددة….بدليل كثرة اصابات الاطفال والتدهور الصحي حيث نبهت احدى الدراسات الى اطفال يتعرضون جراء تشغيلهم الى الكثير من الامراض .





_1617644865.jpg)



