مع بدء العام الدراسي الجديد يستعد اولياء امور الطلبة استعدادا ماديا لشراء القرطاسية والملابس والاحذية والحقائب لاولادهم لتهيئتهم للعودة الى مقاعد الدراسة بعد انقضاء العطلة الصيفية. واستعدادا نفسيا ومعنويا لاستقبال العام الجديد وغرس المحبة في نفوس ابنائهم تجاه المدرسة لانهم سيقضون معظم وقتهم فيها . وهنا لابد من الاشارة الى عدة قضايا مهمة تتعلق بالتعليم في العراق , وتحتاج إلى وقفة جادة ومسؤولة من جانب الحكومة الجديدة ووزارة التربية ووزارة التعليم العالي ، لتحقيق انتقالة في هذا القطاع الذي عانى كثيرا في ظل ظروف قاسية ومعقدة ، حروب ، وحصار ، واحتلال ، حتى اصبحت العملية التربوية والتعليمية في العراق تسير على عكاز . هذه الوقفة تتطلب تغييرالمناهج والكتب الدراسية بما يتلاءم والمتغيرات التي حصلت في العراق بعد العام 2003 ، اضافة الى تطوير امكانيات وقابليات المعلمين والمدرسين، وشمولهم بدورات تقوية وتحديث معلوماتهم بما يتلاءم والتطور الحاصل في اساليب التعليم في العالم . ومن الضروري ايجاد إستراتيجية شاملة لإصلاح وتطوير التعليم في العراق .
تحقيق :علاء الماجد
ومع بداية العام الدراسي الجديد تبرز مشاكل عدة ، منها اوضاع واعداد المعلمين ، والمناهج الدراسية والبنايات المدرسية , واستخدام التكنولوجيا الحديثة في عملية التعليم , حيث لاتزال الكثير من المدارس دون مستوى الطموح ، ناهيك عن المدارس الطينية في الكثير من القرى والارياف ، والزخم الكبير في اعداد الطلبة ، بحيث لاتستوعبهم المدارس الحالية ، وتضطر التربية الى بقاء الدوام المزدوج الذي يؤثر بشكل مباشر على تطور ونجاح الطلبة ، لقد كانت أغلب المناهج التربوية خلال فترة النظام المباد مؤدلجة ومعدة لخدمته وفرض سطوته الدكتاتورية ، فلم تكن المدارس لطلب العلم حصرا بل استخدمت ايضا كمقرات لحزب البعث المنحل من اجل عسكرة الطلبة وزجهم في الحروب التي شنها النظام والتي استمرت منذ عام 1980 حتى سقوطه المخزي . وقد شهد قطاع التربية والتعليم تدهوراً كبيراً خلال هذه الفترة ، وتخلف عن التقدم الذي شهدته دول العالم ، فكان ضحية تلك العهود المظلمة الأستاذ والطالب على حدٍ سواء. وعند سقوط النظام ، لم يشهد هذا القطاع تطوراً ملحوظاً ولا اهتماماً من قبل المسؤولين ، فبقي الحال على ما هو عليه في كثير من مدارس العراق وفي كافة محافظاته ، فخلال احدى عشرة سنة من التغيير لاتزال هناك مدارس مشيدة من الطين والقصب، وتزدحم صفوف اغلب المدارس بأعداد كبيرة من الطلبة تتجاوز الـ (60) طالباً ، و نقص كبير في الكادر التدريسي ، وفي عدد المدارس، و في كتب المناهج الدراسية والقرطاسية، ولا تزال كثير من المناهج الدراسية دون تغيير. وبسبب هذا التردي الكبير في الواقع التربوي والتعليمي أضطر الكثير من الطلبة إلى ترك الدراسة، وخاصة طلبة المدارس الابتدائية، ما يهدد عملية التعليم المجاني والإلزامي في العراق ، يتقدم هذه الاسباب مجتمعة في تسرب الطلبة وتركهم مقاعد الدراسة ، الفقر والعوز الذي يهدد آلاف العوائل ، والتهجير والنزوح والشد الطائفي الذي دفعت ثمنه عوائل عراقية عدة ، كذلك فقدان أحد الوالدين والشعور بثقل اليتم وغياب المعيل بسبب الارهاب . “الحقيقة” سلطت الضوء على هذه القضية من خلال التحقيق الآتي:
جشع وغلاء
* عبد السادة جبار (موظف حكومي) تحدث الينا عن معاناته عند بدء العام الدراسي الجديد قائلا: تتكرر معاناتنا كل عام مع بدء الدراسة ، حيث لابد من تجهيز ابنائنا بالملابس المدرسية الجديدة والحقائب والاحذية والقرطاسية وبعض اللوازم الاخرى ، مما يؤثر تأثيرا واضحا وكبيرا على دخل العائلة ، كنا نتمنى بعد سقوط النظام المباد ان تتكفل الدولة مصاريف الطلبة بشكل او بآخر ، اسوة بالدول الغنية والدول المتقدمة ، ولكن للاسف الذي حصل ان اولادنا يعانون حتى هذه اللحظة من ازدواجية الدوام ، وزيادة اعداد الطلبة في الصف الواحد ، حيث تبلغ احيانا اكثر من 60 طالبا ، أتساءل اليس بإمكان الحكومة ان تبني مدارس ، ومدارس نموذجية طوال السنوات الماضية ، اليس بامكانها ان توزع القرطاسية على المدارس بشكل كامل وسليم وسريع ؟ و توزيع وجبة فطور أثناء الدوام على طلاب المرحلة الأبتدائية . ويضيف جبار قائلاً ” بالاضافة الى هذه المعاناة فاننا نواجه جشع التجار وتلاعبهم بالأسعار حسب مزاجهم ، اذ يكلف شراء بنطلون وقميص وحذاء وحقيبة وملابس داخلية فقط بحدود (75) الف دينارتقريبا ، كيف سيتصرف الاب الذي يعمل موظفاً ويتقاضى راتباً ضئيلاً ، ولديه ثلاثة أو أربعة أولاد؟ اليست هذه الصعوبات تساهم بشكل كبير في التسرب من الدراسة ، او عدم الالتحاق بها اصلا .
تغيير المناهج
* يقول الاستاذ عبد العزيز لازم / باحث وناقد ادبي بخصوص تغيير المناهج التربوية : أن قضية تطوير المناهج التربوية والاهتمام بها يجب أن يشمل كافة المراحل الدراسية ، وان يتواكب مع التطورات العلمية والاقتصادية والاجتماعية في العالم ، بل يجب ان يتسم المنهج الدراسي بالدينامية والاستجابة السريعة لمجريات الإحداث الداخلية والخارجية, وهذه العملية يجب ان تكون شاملة و تبدأ من الروضة الى الجامعة . واضاف لازم ” أن هذه المهمة ليست بالسهلة ولا بالعسيرة كذلك ، ويمكن الاستعانة بجميع الخبرات العراقية في هذا المجال ، من اساتذة جامعيين ، وعلماء ، ومؤرخين ، وحتى ادباء وفنانين “. وأكد على ” ضرورة تشكيل لجنة عليا من وزارات عدة معنية بأمر التعليم في العراق لمراجعة واقع الابنية المدرسية والعمل على زيادتها بما يتناسب والاعداد المتزايدة للطلبة ، وترميم البنايات المدرسية القديمة والمتضررة ، والقضاء على المدارس الطينية والمتهرئة بشكل نهائي لانها تشكل عقبة كبيرة امام تطور العملية التربوية ، لان المدرسة هي البيت الثاني للتلميذ الذي لا غنى عنه لعملية التعليم وخلق جيل واع ومتعلم يسهم في تقدم وتطور البلد ” .
معايشة الابناء
* محمد عبد الله خماس (كاسب) اب لثلاثة طلاب في مراحل دراسية مختلفة يقول : على الاباء ان يتعايشوا مع ابنائهم خلال الايام الاولى للدوام المدرسي ، وان يشعروهم بضرورة الالتزام بالدوام والاستيقاظ المبكر، والنوم المبكر ايضا، وأن يغرسوا في نفوسهم المحبة والتعاون والتسامح مع الاخرين ، وعدم التصرف باستهزاء وانانية مع الاخرين ، واحترام الاساتذة واطاعتهم لانهم يعملون من اجل تعليمهم واعدادهم للمستقبل . واضاف خماس ” ان من واجبات الاب مع بدء العام الدراسي أن يعلم إبناءه حب واحترام زملائه من الطلبة والتعاون معهم ومساعدتهم اذا ما احتاجوا المساعدة واحترام اختياراتهم ومواهبهم . والانتباه الى اوقات الفراغ التي يتمتع بها الابناء وكيف يقضونها خاصة مع انتشار كثير من مواد ووسائل التقنية الحديثة مثل الموبايلات والانترنت وغيرها .
الحانوت المدرسي ودورة المياه
* الطالب سيف علاء تحدث عن معاناة مابعد الدوام قائلا : اننا نعاني من عدم الاهتمام بالحوانيت المدرسية والمرافق الصحية ومياه الشرب ، وهذه المعانات تتكرر سنويا ، وانا اتحدث عنها هنا لانها لاتقل اهمية عن المشاكل والمعوقات الاخرى ، فهناك الكثير من الطلبة تعرضوا لحالات تسمم بسبب فساد بعض الاطعمة والمعلبات منتهية الصلاحية ، وذلك يعود لعدم وجود رقابة صحية على الحوانيت المدرسية ،كذلك عدم وجود متابعة لنظافة المرافقق الصحية وتوفير مياه الشرب ، وبعض الادارات لاتهتم لهذا الامر وخطورته. واضاف سيف “هناك متعهدون باعوا في العام الماضي مواد فاسدة، ورغم ابلاغ الادارة فأنهم لم يتخذوا اي اجراء ، ان الحفاظ على صحة الطالب تتطلب اشراف ومتابعة من قبل الادارات المدرسية، وفحص المواد والاغذية التي يوفرها المتعهد للحانوت، والاهتمام بالمرافق الصحية ونظافتها ومعالجة انسداداتها ، نقول ذلك ونحن على اعتاب العام الدراسي الجديد عسى ان يجد قولنا اذانا صاغية ” .
التسرب المدرسي
* يقول المشرف التربوي سمير يعقوب : أن التعليم هو أساس تقدم الأمم ومعيار تفوقها في كافة المجالات ، وعن طريق التعليم يكتسب الفرد المعرفة وتقنية العصر والقيم والاتجاهات التي تحيط بشخصه من جميع الجوانب وتجعله قادرا على التكيف والتفاعل الايجابي مع البيئة والمجتمع ، وقد أكدت الدراسات ان التقدم العلمي وتطور التعليم مقرون برصد المزيد من الأموال لهذا القطاع في دول العالم المتمدن لأغراض تطويره والنهوض به لتحقيق اكبر قدر ممكن من الكفاءة، وبالضد من ذلك فأن الإهدار التعليمي في هذا القطاع المتمثل في ابرز مشكلاته كالتسرب والرسوب يعتبر من المشكلات المعرقلة للنظام التربوي والسعي لتطويره ، وينعكس أثره السلبي على الفرد والمجتمع وعلى التنمية الاجتماعية والاقتصادية . ومشكلة التسرب المدرسي في العراق في العقود الأخيرة نشأت بسبب تعرض البلد للحروب والحصار والانهيار الاقتصادي والاحتلال وتدمير مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية والسياسات الطائفية والتهجير والنزوح القسري ، ولاتعالج هذه المشاكل الا بوجود نظام ديمقراطي حقيقي يثبت اركان الدولة المدنية ، دولة المؤسسات والقانون والامن الاجتماعي .
النازحون.. مشكلة وطنية
* بعد سيطرة عصابات داعش الارهابية على مدينة الموصل والمدن المحيطة بها ظهرت مشكلة جديدة لابد من دراستها وايجاد الحلول لها فورا ، حيث اضطرت الاف العوائل للنزوح من هذه المدن الى مدن آمنة، وبذلك سيتوقف ابناؤها عن مواصلة دراستهم والعام الدراسي الجديد على وشك ان يبدأ. ان مشكلة هذه العوائل وهؤلاء الطلبة مشكلة وطنية تحتم على الجهات المسؤولة بذل اقصى الجهود لإيجاد حلول سريعة لها.





_1617644865.jpg)



