حوارات وتحقيقات

دفء المكان وعراقته … الشواكة والكريمات.. عبق بغداد وطيبة أهلها وأصالتهم

محلتان شعبيتان من محلات بغداد القديمة متلاصقتان ، لا تفصل بينهما حدود معينة تقعان على الجانب الايمن من نهر دجلة في المنطقة التي تمتد من جسر الشهداء حتى الصالحية ، سميت الشواكة لكونها كانت مكانا لبيع الشوك وعروق الحطب التي ترد من اطراف بغداد ، لتشغيل المخبزين الوحيدين الموجودين في المحلة ، وكانت مركزا تجاريا لعموم بغداد ، ترد اليها الاجبان والسمك والرز والماش والدهن والحنطة والشعير من سامراء والبصرة وباقي المحافظات ، بفضل ( الدوب ) واسطة النقل التي كانت تمخر عباب نهر دجلة ، امتهن بعض افرادها ومنهم ، الهندي ،البغدادي ، المولى ، ابو العوسج الجميلي ، الدهان ، حسن يوسف ، حمودي الجليل ، وغيرهم…

علاء الماجد               

 
 
 …امتهن هؤلاء المهن التجارية الاكثر شيوعا واقبالا في فترات ( الشواكة ) الاولى وذاع صيتهم حتى اصبحوا جزءا من المكان ، اما منطقة الكريمات فكان قاطنوها يمتنهون الحياكة والغزول وهي بساتين خفاجة حيث كان اسم هذه المنطقة ( زركجي) السفارة البريطانية وهي بساتين تعود الى الهندي ، ابو عجينة ، محمد الوصي ، جواد المزين الذين تملكوها ابا عن جد ، كان هؤلاء يأوون في هذه المنطقة الوافدين اليها ويضيفونهم لعدم وجود فنادق يمكن ان تكون مكانا ينزلون فيها ومن ذلك التاريخ سميت الكريمات لكرم اهلها . ومع مرور الوقت استقبلت هذه المحلة عوائل اخرى تنتمي الى عشائر الدليم .
* علي شمخي احد شيوخ الشواكة تحدث عن بداية نشأة هذه المحلة قائلا : 
– الشواكة من المحلات القديمة في بغداد تقع في جانب الكرخ مطلة على نهر دجلة من جهة وتحدها الكريمات من جهة اخرى ( الصعدة ) فالشواكة كانت مكانا لبيع الشوك وعروق الحطب التي ترد اليها بواسطة الجمال والبغال من كل مكان لتستقر في باب السيف ، كذلك ( الدوب ) التي تاتي من البصرة وسامراء وهي محملة بالحنطة والشعير والتمر والدبس والسمك . يستدرك شمخي ” كنا نشتري ( وزنه) الشعير (100 ) كغم  بـ ( 4) دراهم ، ووزنة الحنطة بـــ ( 6 ) دراهم ، وكيلو اللحم بسعر 30 فلسا ورغيف الخبز بفلس واحد ، وهذه المحلة كانت بمثابة مركزا تجاريا والمراكب ترسو فيها محملة بالبضائع من جميع المحافظات ،وكان اشهر باعة الجبن هم بيت المولى وبيت الراوي وبيت ابو العوسج وحسن يوسف وبيت الجميلي” .
*هل سجلت ذاكرتك بعض الحوادث او النزاعات بين اهالي المنطقة  ؟
– قد تكون هناك بعض الحوادث البسيطة بين المشتري والبائع ولكنها كانت تحل بواسطة اهلها الطيبين ذوي السجايا الحميدة والحكيمة  ، وكانت السفارة البريطانية وبيت السويدي ومدرسة الملك فيصل من ابرز معالم المحلة حيث كان عمل ابنائها يقتصر على زراعة نبتة عباد الشمس والجت والبرسيم والسمسم ويشتغلون ببيع اشرطة الباميا اليابسة والجبن واللبن والسمك .
* ويحدثنا رفعت صالح فيقول : 
– لسنا من اهل الشواكة فنحن بالاصل من الكاظمية ولدينا مساكن في منطقة الشواكة المشهورة بالطيبة وحسن المعاشرة اذ كانت هذه المحلة تحوي مختلف الاطياف والسلام يعم الجميع على اختلاف مذاهبهم المسيحي ، اليهودي ، الصابئي ، العربي والكردي ، والناس فيها لا يفرقون بين هذه المتعددات فهم يحملون الصفات البغدادية الاصلية ، والناس فيها لا يفرقون بين هذه المعتقدات، تحس بعبق بغداد فتجدها في محلة الشواكة  ، لكن مع الاسف الشديد ذهبت هذه الصفات مع رحيل الكثير من سكانها الى اطراف بغداد واصبحت (لملوم) بسبب الحروب والنكبات التي اعادت تشكيل بغداد وفق قراءات مغرضة، وهذا العبق الذي كنت تشعر به سابقا غير موجود في الوقت الحاضر ولكن عموما هناك مناطق ما زالت تحافظ على نفسها مثل محلة الكريمات فاهلها محافظون على تلك الالفة فعندما تدخل بيوتهم تشعر وكأنك تعيش في بيت ليس بغريب . وعن تاريخ الشواكة يقول صالح : 
– تاريخ الشواكة مرتبط بذاكرتي البغدادية ( العتيقة ) ، منطقة الصالحية ، السفارة البريطانية ، بيت السويدي ، بيت نوري سعيد ، هذه المحلة انجبت اطباء وعلماء فطاحل” . 
* وحدثنا الكاتب المعروف حمدي فؤاد العاني عن سوق الشواكة قائلا :
– سوق الشواكة يمتد بين جسر الشهداء الى الصالحية هذا السوق يحوي كل شي ، كل احتياجات الناس موجودة في هذا المكان وله اسماء حسب التخصص المشهورمنها  علاوي السمك وخانات الجبن  ، وكانت (الدوب ) هي التي تجلب معظم هذه المواد ومن ثم تحولت هذه العلاوي الى دكاكين للبقالين والقصابين وباعة الخضر والفواكه . 
* وما هو موضوع ( الدوب ) ؟
– هذه ( الدوب ) تاتي من سامراء ومن تكريت محملة بالرقي والبيض والمنتوجات الحيوانية وتستبدل بسلع اخرى . 
* والحبوب ؟
– الحبوب ليست في هذه المنطقة وانما بعلاوي الحلة خاصة سوق عيسى والمشهورون من اهلها آل السويدي ، ال حسن يوسف ، بيت الظاهر، ال لبجة ، بيت سكر ( المختصون بمهنة التجارة ) ، آل المولى ، آل الدفتري ، اما اشهر القصابين فهم : مخيلف القصاب والحاج حسن جهيدي . 
* هل طرأت تغييرات على الشواكة ؟
– لقد تغيرت معالم كثيرة ، 90% من معالم الشواكة تغيرت بعد تشييد الشقق السكنية ، اصبح المنظر لايسر الناظر . سابقا كان اهلها يهبون كرجل واحد عندما تحدث مشكلة ما في المنطقة كأنهم عائلة واحدة ، الان يجري العكس ، هذا الاحساس بالابوة والاخوة والصداقة الحقيقية معدوم الان . واضاف العاني ” معالم هذه الحياة الحلوة اندثرت ، الحروب وآثارها غيرت الناس واظهرت افرازات سلبية ، توجه الناس نحو المادة والطمع ، كان الناس لايقفلون ابوابهم ، ولكن الحرب ونتائجها المأساوية اجبرت الناس على تغيير طباعهم ، ولكن مع كل هذا هنالك عوائل لاتزال تحتفظ بقيمها وعلاقاتها الاجتماعية الاصيلة ” . ويستذكر حمدي فؤاد ” كانت الشواكة جميلة ، كانت في الساحة التي امام التقاعد العامة ، علاوي للحبوب وعلوة للسمك ، وكان هنالك مقهى البيروتي ، وهو اقدم مقهى في الكرخ اندثرت عام 1965 واصبح مكانها موقفا للسيارات ، والمركز الرئيسي للشواكة هو علاوي الجبن التي تكثر فيها مشتقات الالبان ، وكانت هنالك شريعة سامراء في سوق الجديد (جامع القمري) تستقبل البطيخ . اما شريعة الشواكة فكانت تستقبل الحنطة والشعير والدهن والحصران ، ولكن بعد انشاء سدة الكوت لم تتمكن (الدوب) من الدخول الى بغداد ، ولظهور وسائط نقل جديدة كالقطارات واللوريات  انتهى عمل (الدوب) نهائيا ” . وعن ذكرياته عن جسر الشهداء قال : كان الجسر خشبيا (طبكات) وكانت تفتح هذه الطبكات لعبور (الدوب) القادمة من البصرة ومن سامراء ، بعدها تغلق لعبور السابلة من الكرخ الى الرصافة وبالعكس . واتذكر احدى الطرائف التي حدثت للجسر اثناء هبوب العواصف القوية واثناء فتح الجسر تتقطع الحبال التي تربط (الطبكات) فيذهب الجسر مع جاري المياه ليصل احيانا الى سلمان باك ، فيلحق به الناس ويعيدونه الى مكانه بالهوسات والهلاهل والطبول .
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان