حوارات وتحقيقات

العيد في العراق… كبار السن يرون أن عيد أيام زمان كان أجمل

الحقيقة – خاص

ما إن يدور الحديث عن أعياد أيام زمان ومقارنتها مع الأعياد الحالية حتى ترتفع أصوات كبار السن مرددين ذكريات الفترة الماضية مشيرين أنها كانت أكثر جمالا وبساطة رغم فقر الحال معتقدين إن هناك تحولات كبيرة مع ارتفاع دخل المواطن العراقي ألان إلا إن سعادة العيد والفرح الحقيقي لم تستطع الأموال وحدها إن تحققها، إذ يتفق اغلب كبار السن من البغداديين على ما يبدو على إن أجواء العيد أيام زمان كانت ذات نكهة محببة وجميلة وكانت العوائل تنظرها بفارغ من الصبر للاستمتاع بطقوس العيد في ظل أجواء الأمان وعدم وجود مخاوف من أي شيء رغم إن الجيوب كانت فارغة لكن القلوب كانت عامرة بالقناعة والمحبة على حد تعبيرهم.
 أبو حيدر الذي إستذكر أعياد أيام زمان بالقول إنهم كانوا يتهيأون منذ أسابيع لاستقبال العيد ولم تكن هناك فوارق طبقية كما هو الحال ألان فقد كان الفقراء يعيشون فرحة مشابهة لفرحة الأغنياء، مضيفا إن ما يعكر صفو الأفراح سوء الخدمات  وكثرة الزحامات وصعوبة الحياة في ظل الخلاقات السياسية وعدم وجود عدالة في توزيع الثروات وانتشار الفساد والمخاوف من المجهول.

أما أبو ميثم  فيعود بذاكرته إلى سبعينيات القرن الماضي حيث خروج العوائل للتنزه دون خوف والسير لساعات في شارع السعدون والتنقل من صالة سينما إلى أخرى والمشي في أجمل شوارع بغداد آنذاك ابي نؤاس والعودة ليلا معتبرا إن من الصعوبة اليوم التنزه مع العائلة بعد انتشار السلوكيات غير المنضبطة للشباب والفوضى العارمة. 
ولم ينكر الحاج ابو ابراهيم حصول تطور في دخل الفرد العراقي  لكنه يعتقد ان تحسن الوضع الاقتصادي لم يمنح سعادة أيام زمان للناس المتعطشين للامان باعتباره أهم مقومات وأساسيات السعادة والطمأنينة المفقودة ألان  مؤكدا أنهم كانوا يتجولون طيلة أيام العيد في متنزهات بسيطة ويتزاورون ويقيمون ولائم تجمع الجيران والأقارب وتلك التفاصيل فقدت في أعياد هذه الأيام.  ويرى الحاج أبو مهدي إنهم كانوا فقراء ويجمعون مبالغ مالية بسيطة للعيد لكنهم كانوا أيضا متعاونين فيما بينهم وأهل المحلة يجتمعون في سفرات إلى المراقد الدينية دون فوارق طائفية ويعدون الطعام سوية ويلبسون أجمل ما لديهم ويسهرون في جلسات حميمية مضيفا إن راحة البال أهم من زيادة الدخل الذي لم يسبب السعادة للعراقيين الذين ينتظرون الاستقرار الأمني والسياسي ليشعرون فعلا بأعيادهم. وتمنت السيدة أم مهند أن يتجاوز السياسيون مشاكلهم ويلتفتون إلى حال الشعب ويعودون بذاكرتهم إلى بساطة أيام زمان وكيف أثرت خلافاتهم الحزبية والطائفية على جمالية وحميمة العلاقات بين افراد الشعب.
ـ ابو جمال من الموصل يقول: من منا لايعرف جيدا كيف كان الناس ينتظرون ايام الاعياد (الفطر والاضحى) بشغف متواصل وشوق وخاصة في المناطق الشعبية حيث كانت بعض العوائل الميسورة الحال تتكفل العوائل الفقيرة واطفالها وتفي باحتياجاتها لاسيما الايتام والارامل، مثلما يشترون لعوائلهم يشترون لهم بالاضافة الى العيدية و(الفطرة) لكي تعم الفرحة الجميع بدون استثناء ، وفي الموصل للعيد نكهة اخرى لكثرة الغابات عامرة بالاشجار والخضرة والعشاق، وكانت تجيء اليها الناس من كل حدب وصوب، فانها ام الربيعين ذات الاجواء المنعشة، فكنا نرى في الاعياد السفرات الشبابية والطلابية التي تضيف للمكان بهجة اخرى من خلال الاغاني والرقصات التي يؤديها المسافرون. واهل الموصل في الاعياد لهم اكلاتهم المميزة مثل الدولمة والكبب بانواعها ناهيك عن الكرزات والحلويات واستقبال المهنئين من جميع الطوائف الاخرى.  ـ ومن بغداد التي غادرتها ام مصطفى بسبب استشهاد زوجها باحدى التفجيرات الاجرامية واستقرت في السليمانية فتقول : لم نعد نرى ايام العيد كما كانت ايام الخير حيث كنا ايام زمان نتحضر للتسوق وشراء الملابس، وكانت ملابس العرفات تختلف عن ايام العيد، ونشتري مواد (الكليجة) والسمسم والحلقوم قبل يوم او يومين، ونخرج في الصباح سعداء فرحين بهذا اليوم السعيد واول الناس الذين نعايدهم (الجد والجدة) ومن ثم الوالدين وكنا نفرح كثيرا بالعيدية، وكنا نقضي اغلب الاوقات في (حدائق 14 تموز) وحديقة الحيوانات قرب العلاوي ايام زمان قبل ان تنقل الى متنزه الزوراء ،واذكر كيف كنا نتشاجر كاطفال بسبب العيدية وخاصة ان عيدية الكبار اكثر من عيدية الصغار والبراءة كانت عنوان محبتنا واتمنى اليوم وكل يوم من الباري عز وجل ان يعيد العراق كما كان واحسن، وان يعيش الناس اخوة في وطن بلا خلافات ولا مفخخات ولا كواتم ولا صراعات حزبية وكتلوية بغيضه وان تعود البسمة للاطفال ويكفي ان ترملت الاف النسوة بسبب الحروب وغيرها من الاحداث ..
ـ المواطنة بدرية من بغداد تقول : احلى ايام العمر كانت في عيد الفطر والاضحى لاننا نشعر بقوتها في دواخلنا وتمثل احلى ايام العمر، واتذكر كانت العيدية (10 فلوس) واحيانا تكون (50 فلساً) ومن الاشياء العالقة في ذاكرتي ذلك الفرح الطفولي البريء الخالي من الكذب والتمثيل، وكنا نضع ثياب العيد تحت الوسائد وننام، بعد ان تضع لنا الوالدة رحمها الله طاسة الحناء ونتقاسمها انا واخواتي (البنات) ونلف ايادينا بالمناديل الملونة، وعندما نستيقظ في الصباح كلنا حيوية ورغبة في الانطلاق، وبعد ان نقبل ايادي الوالدين نمضي الى الملاعب حيث كنا نقول للاهل سنذهب للعيـد ..، واتذكر ان بغداد بناسها والونها واطيافها لم تكن تعرف التفرقة او التمييز لانها كانت تضم جميع الاديان والطوائف، وكان الجميع يشترك في المناسبات الدينية والاجتماعية ولم نكن نعرف الطائفية او التفرقة، خذ على سبيل المثال الصابئة الذين تداخلوا معنا في كل شيء حتى اسمائهم (علي، عباس، حسين) وهذا دليل قاطع على وحدة العراقيين.. ونامل ونتمنى ان تعود تلك الايام الى سابق عهدها لان العراقيين عاشوا وسيظلون كذلك الى الابد ولانسمح لاعداء العراق ان يفرقوا بينا ان شاء الله ..وان يبعد الغمة السوداء عن العراق والعراقيين .. 
ـ ومن البصرة الفيحاء التي غادرها الحاج خضير فيقول:  لم تكن هناك ايام لطفولتنا احلى من ايام عيد الفطر وعيد الاضحى حيث نستعد لها الاولاد بالذات قبل الجميع ونتجول في الاسواق القريبة من مناطقنا بحرية وقد كان والدي تاجرا معروفا ولظروف التجارة كنا ننتقل من مكان الى اخر، سكنا في منطقة العباسية وكانت تضم كل المكونات من الاسلام والمسيح والصابئة واليهود، واذكرصديقاتي اليهوديات (موزة وتفاحة) حيث كان اليهود يسمون اسماء بناتهم باسماء الفواكه لانها من نعم الله على الناس اجمعين، كانت موزة تقدم لي هدية تختلف عن الهدية التي تقدمها لي تفاحة.
 ـ ومن الكوت يقول الحاج صباح الخالدي : اين عيد ايام زمان ؟ فقد كنا اطفالا ونمضي فترة الصباح في الزيارات وتبادل التهاني وناخذ (العيديه)، وبعد الظهيرة اذا كان الوقت صيفا نخرج لزيارة سدة الهندية، الاطفال يركبون عربات تجرها الخيول مقابل (4 فلوس) ويتبادلون في العربات القبلات والسلام حتى يصلوا الى السدة ثم يعبروا عليها الى الجانب الاخر وبعد التمتع يعودون الى البيت، وبصراحه انها ذكريات جميلة مضى عليها (60 عاما) تذكرت العربات التي تجرها الخيول التي تحمل الاجراس وشرائط الزينة، وهي تحمل رجالاً كبار السن يدقون الطبول وينقرون على الطبلات ويعزفون في المزامير وهذا ما يثير الفرح والبهجة لدى الاطفال.
 في الوقت الحاضر هذه المظاهر اختفت من الشارع وحلت مكانها السيارات والحدائق العامة وغيرها، حاليا سدة الهندية القديمة تشكو الاهمال وقد حولوها الى اماكن لتجميع القاذورات وهدمت (المسناية) التي عمرها 98 عاما.
 ـ ولايذهب بعيدا عن ماذكره الاخرين فيقول عباس مهدي: كنا مجموعة من الاصدقاء اهتمامنا بالسينما هو الاول في تطلعاتنا الثقافية والحياتية، وكنت دليل اصدقائي باختيار الفلم الاجمل من بين الافلام، وكنا لا ندخل الا في (السينمات) الراقية امثال: سمير اميس وغرناطة وبابل والنصر، وفي ايام العيد دخول السينما له نكهة خاصة حيث مظاهر الفرح والضحكات والاحبة، ومن الافلام التي اتذكرها زوربا اليوناني، كيوما، زد، صياد القرش، نغم في حياتي، دارت الدنيا ووقعت في الاسر وكنت حافظا لما يقارب (1000 فلم) فوجدت في اقصها على الاسرة شيئا من الترفيه وقتل الفراغ وكنا نناقش الافلام بعد ان نستمع اليها، امنياتي ان تفتح (السينمات) ابوابها ويعود ذلك الزمان الجميل من جديد.  ـ ويتحدث الحاج صادق جعفر عن العيد ايام زمان ومايسمى بالفرجة فتنهد بالقول :الفرجة وهي كما تعرف الساحة التي يجتمع فيها الاولاد ايام العيد حول بعض الالعاب البسيطة والماكولات الشعبية في كل منطقة من مناطق بغداد القديمة ..وكان القائمون على هذه الساحات يبدأون بالتحضيرات ونصب دواليب الهواء والمراجيح قبل ايام من العيد وكذلك يزين اصحاب العربات التي تجرها الخيل او اصحاب الربلات عرباتهم بوسائل الزينة البسيطة المتاحة في تلك العقود وكانت كل عربة تقوم بجولة في المناطق القريبة وهي تحمل عددا كبيرا من الاطفال مقابل مبالغ زهيدة، وكذلك يتجمع الباعة المتجولون منذ الصباح الباكر، فمنهم من يبيع (الشعر بنات)، ومنهم من يبيع الداطلي او الزلابية، او الدهين وغيرها من الحلويات، واخرون يبيعون اللبلبي والشلغم اذا وافق العيد فصل الشتاء او التمر مع اللبن او (الازبري واللاكستك)، اذا وافق صيفا، وهي مرطبات تعد حين طلبها بادوات يدوية يحيط بها الثلج المكسر من كل جانب، ولا انسى ان اعرج على باعة شربت التمر هند، والنومي بصرة والزبيب ..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان