اراء وأفكار

رسالة الى الشهيد البطل في ذكراه العاشرة… الوداع الذي لا ينقطع

داود سلمان الشويلي

(( الى ولدي وقرة عيني ،الى من لا يجف دمعي عليه ، الى من اتعبني
فراقه ،واوحشني غيابه ،الى من طواه الزمان قبل الاوان ، نم قرير
    العين النومة الابدية في دارك الجديد)).

كنت شغوفاً للحصول على ادق التفاصيل لاي حادث او واقعة ، وكنت كثير السؤال لكي اصل لتلك التفاصيل ، أي الى الحقيقة ، او ما يشبه الحقيقة ،مهما كانت درجة كمالها ، وربما يعود ذلك لكوني اكتب القصة والرواية ، ولكن هذه العادة والشغف بها ستدمرني كثيراً ، وها انا قلق التفكير ، مشوش البال ، فهناك سؤال قد قضى على ما تبقى من استقرار فكري وذهني عندي.
كان استشهاد ولدي ، وأحد اعمدة بيتي ، وقرة عيني ، واعز الاعزاء عندي مع اخوته ، الملازم الاول “حسام” الرحمة له ، قد شغل كل تفكيري ، الا انني كنت في الكثير من الاحيان ، اكابر ، كي لا تراني  والدته الثكلى والتي كسر ضلع من ضلوع صدرها الذي حمل ذينيك الثديين اللذين ارضعاه ، واخوته الذين فقدوا الاخ والنصير والصديق والمؤانس ، كنت اكابر لكي لا يروني هؤلاء ابكي ، خاصة بعد اليوم الاول لوصولي من سوريا، كنت احاول ان اتشرب العبرة في صدري ، والنشيج اجعله غير مسموع ، احبسهما لاكون لهم العمود الذي يتكئون عليه في هذه الفاجعة الاليمة والقاتلة ، كل ذلك ، كان هينا عندي ، الا ان السؤال الذي حيرني وقلقل سكينتي، وراحتي، ونومي، هو: كيف كان تفكير ولدي في تلك اللحظات التي اعدمهم – هو وزملاءه – فيها المجرمون ؟ ماذا دار تلك اللحظة في تفكيره ؟ هل صرخ ؟ تكلم ؟ قال شيئاً ؟ ولماذا هذه الاطلاقة التي ثقبت جبهته ، علما ان كل زملائه كانت ثقوب الاطلاقات من الخلف ؟ هل التفت الى الجناة الذين كانوا يطلقون النار عليهم وهم ممددون على الارض لا حول ولا قوة لهم ؟ هل صرخ بوجوههم ؟
ان الموت حق على كل انسان مهما كانت ديانته او قوميته ، ولكن ، ليس من الحق ولا من المنطق ، ان يرى الانسان قاتله اذا كان بريئاً ، مسالماً ، لا يحمل أي سلاح ، وفوق ذلك لا يعرف سبب قتله؟
فالعسكري يقاتل ويقتل في ساحة المعركة ، وبعضهم يقتلون غدراً ، الا انهم لا يرون لحظة (اعدامهم )غيلة و جبن الجبناء، وخسة الخسيسين.
ماذا كان يدور في تفكيره هو وزملائه الثمانية والاربعين؟ هل تحدثوا مع قاتليهم؟ هل صرخوا بوجوههم ، هل شتموهم؟ ام توسلوا اليهم؟ ام— ، ام —؟
اما انت يا فلذة كبي ، ويا نور عيني ، فلا اقول في فجيعتي بك الا: كان القدر في عوننا انا ووالدتك الثكلى، واخوتك المفجوعين،واصدقائك الذين بكوا عليك دما ، واتمنى الصبر والسلوان للجميع.
كنت يا (حسام ) بارا بوالديك ، وحنونا على اخوتك ، عطوفا على صغيرهم ، محترماً كبيرهم ، ويشهد لك زملاؤك ، واصدقاؤك بالطيبة والكرم والاخلاق الحسنة.
ورحيلك عنا قد كسر ضلعا من ضلوعي ، واحنى ظهري ، ولكن ما باليد حيلة . وداعا يا عزيز القلب والروح ، وداعا ( يالظليت تصعد وتنزل بالنفس ) وداعاً ، ولكن هل يخلو ناظري عندما اضع راسي على الوسادة من صورة طلعتك البهية ؟ هيهات ، هيهات ، سوف لم ولن تفارقني. ليلة البارحة كنت ملء العين والنظر … ولم يكن الذنب ذنبك – حاشاك – فقد كنت انا استدعي صورتك الي ، لانني لا اريد ان افارقك يا قلبي وروحي ونفسي الذي يصعد وينزل .
كنت انتظر قبل وانا في سوريا  ، الى يوم عودتي اليكم ، واللقاء بكم يا احبائي ، لكنني لم اكن اعرف ان القدر يخبئ لي هذه الفجيعة ، ويا لها من فجيعة بك .
وداعا يا ولدي … وداعا ياحبيب قلبي وروحي ، وداعا يا فلذة كبدي وروحي…
***
 انا لست بشاعر، الا ان مشاعري فاضت في هذه اللحظات الحزينة هذه الابيات:
وداعاً أيها الفرح ُ الجميل ُ …… وأهلاً بالدموع ِ أذا تسيل ُ
 فأني لو بكيتُ طوال َ عُمري…. وعاتبت ُ الزمانَ فما أقولُ
 لأنكَ في الحشايا كنتَ مني ..
وفي عيني خيالكَ لن يزول ُ
أذا طالَ البكاءُ وأنْ يطول ……. ستبقى يا حسام ُ له دليلُ
فقلبي غادرَ الأحشاء َمني……
فما نفع العزاء أذا يطول ُ
 وما نفعُ الزمان أعيشُ فيه … 
وما ذا بعد فقدكَ يا جميلُ
السبت 6/ 11 / 2004
والدك المفجوع بفقدك

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان